شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

إذا كانت هالة وأمثالها يشكِّكون في الروايات بالانقطاع الزمني، فليتركوا لنا حق قراءة تراثنا بطريقتنا، ففرق بين من يقرأ انتقاءً بمقاصد مسبقة، غير مؤمن بصلاحية المصادر أصلا، وبين من يؤمن بصلاحية المصادر مع وجود منهج علمي للتمييز بين ما يُقبل وما يُرد مما فيها من الروايات، ولذلك فرق العلماء بين ما يقبل وما يرد من روايات “تاريخ الأمم والملوك” للطبري مثلا في مؤلف خاصّ، فإن كانت هي خارجة عن هذا فما مصادرها التي تعتمدها؟ هل هي مصادر خارج جنس التراث الإسلامي؟ حينها سيكون ثمَّ انقطاع آخر مع الانقطاع الزماني، وهو الانقطاع المكاني. وقد حصل، فقد اعتمدت هالة على مصادر غير إسلامية، من ذلك قولها: « ثمة مصادر غير إسلامية عديدة ومعاصرة للحدث تجزم أن محمدا كان لا يزال في العام 634 على قيد الحياة وموجودا في غزة » [44] ، ومع هذا الانقطاع المكاني انقطاع آخر أكبر وهو “ انقطاع الأهلية العلمية والأكاديمية “.

إن مما لاحظته على أمثال هالة من العلمانيين الخائضين في قراءة التراث الإسلامي ورواياته أنهم مع كل ما يبنونه من نظريات ويقدمونه من قراءات يهدمون كل ذلك بالتنبيه على عدم صلاحية المصادر التي يعتمدونها في إثبات الأحداث التاريخية، وهالة الوردي واحدة منهم، فهي تقول: « نذكِّر القارئ بأن هذه المصادر المرجعية الوافرة العدد ليست معاصرة للأحداث التي ترويها، وإنما هي متأخرة بقرن ونيف في أحسن الحالات » [45] ، وهذا تذكير تُشكر عليه، ولست أعرف إن كان هذا شجاعةً وصراحةً منها أو غباءً منهجيًّا في تمكين خصمها من الأداة الأقوى لنكث غزلها! فبهذا التذكير تهدم هالة كل كتابها؛ لأنه مبني كلّه على اعتماد مصادر منقطعة عن زمن الأحداث، لكن للقوم مقاصد من كل هذا العبث، وقد سبق التنبيه عليها.

من المواضع المثيرة والتي تشهد لموقف الشك مما فعلته هالة في كتابها أنها ذكرت حديث « خذوا شطر دينكم عن الحميراء »، فلم يعجبها هذا الإطراء لها، وقد وصفته باللقب الودود [46] ؛ لأنها شديدة الحقد على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكتبت في الهامش ما يشبه التحقيق العلمي لأول مرة: « قال فيه القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: إنه من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد ولا رواية » [47] ، وهذا يعني أن هالة كانت تعرف طريقة تحقيق درجة الروايات، بل كانت تسمِّي ما لا يصح من الأخبار: “ الترتيبات التاريخية المختلقة “ [48] ، وما أكثرها! لكنها لم تفعل مثل هذا في غير هذه الرواية؛ لغرض سوءٍ في نفسها، فقد كانت إذا أعجبتها رواية تراها شاهدة على دعواها أثبتتها دون التحقق من صحة نسبتها، وإذا ناقضت الرواية مقاصدها أهملتها وربما ردتها.

التلفيق:

وأما التلفيق فالجمع بين الروايات المتناقضة، وليس التناقض بين روايات مخرجها واحد، بل بين روايات متناقضة المصدر، وأقصد التناقض بين المرجعية السنية الإسلامية والمرجعية الشيعية الرافضية، فقد استعملت هالة طريقة التلفيق والجمع بين الروايات الشيعية والسنية لصناعة مشاهد روايتها الأدبية هذه، وهي روايات متناقضة، ولكن عين هالة كانت تبحث عما توظِّفه، ولا يهمها التناقض في “ أصل المخرج “، فقد كانت قراءتها قراءة توظيفية، كانت هالة تلفِّق بين روايات طائفتين متناقضتين في موضوع البحث، وكان الصحيح أن تستعمل “ منهج المقارنة ” لا التلفيق، لكنه سوء القصد الذي يفضحها في سوء العمل، ومع هذا حاولتْ أحيانا أن تعقد “ مقارنات ” بين الروايات، لكنها كانت تخالف قاعدة منهجية رئيسة وهي: لا تعارض بين الروايات الضعيفة المردودة المشكوك فيها، ولا بين الصحيحة وبين المردودة. فشرط المقارنة صحة الروايات المتناقضة في القراءة الابتدائية، ولكن هالة لا تميز، ولا تحقق؛ لأنها كانت مشغولة عن قوانين التحقيق بدافع “ التوظيف “؛ ولذلك كانت إذا أرادت رد رواية لا توافق “ مقاصدها ” عارضتها برواية مناقضة وإن ضعفت، ومن أمثلة ذلك قولها في زعمها غياب أبي بكر وعمر عن جنازة النبي صلى الله عليه وسلم: « وإن كانت بعض المصادر الإسلامية قد فسرت غيابهما بواقع أنهما كانا في اجتماع السقيفة، فإن هذه المعلومة وجدت لها ما يكذِّبها في مصادر أخرى » [49] ، فهل كانت هالة وفيّة لهذه الطريقة؟! فإنّ جل ما استعملته من الروايات وُجد له ما يكذبه في مصادر أخرى، الجواب: لا.

لقد شهدت هالة بأن ما وجدته كان محبطًا، كأنها طفل صغير أراد الدخول إلى بحر هائج، فتجدها تقول مثلا: « كتب التراث الإسلامي تتَّسم بقدر كبير من التذبذب، ولا تعطي في نهاية المطاف سوى معلومات تقريبية » [50] ، و« كمّ هائل من الروايات المتباينة بل والمتناقضة » [51] ، و« يكشف هذا الفصل عن الإرباك الكبير الذي يخيّم على الروايات المتعلقة باللحظات الأخيرة من حياة الرسول » [52] ، و« الشعاع الخافت المرتعش الذي ينبعث من كتب التراث الإسلامي، والمساهم أحيانا للمفارقة في ابتداع أوهام بصرية عوض أن يضيء له ولنا الطريق » [53] ، و« إنَّ حلقات سيرة الرسول هي سديم حقيقيّ، حيث غالبًا ما يُصاب المرء بالدوار بسبب اختلاف الروايات ووجهات النظر وتباينها » [54] ، وهو ما حدَث لهالة، وقالت: « كيف للمسلمين والحالة هي هذه أن يقتدوا بسيرة من المفروض بها أن تكون مثاليةً وأسوةً حسنة في حين نراها مشكَّلة من هذا الكم الهائل من المفارقات؟! » [55] .

وتصِف قلَّة المعلومات عما قبل البعثة بقولها: « شح » [56] ، و« ظلام دامس » [57] ، ومع كل ذلك فقد حاولت هالة تصوير شخصيات السيرة بناء على هذا الكم من الروايات المتضاربة في نظرها من طريق التلفيق، ومن الأمثلة على سوء التحقيق في كتابها:

المثال الأول:

الصفحة السابقة الصفحة التالية