شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

قالت هالة: « ثمة روايات أخرى نجِدها حتى في المصادر الإسلامية السنية قالت: إن الرسول مات بين ذراعَي علي، بل إن مصنِّفا من مصاف ابن سعد على سبيل المثال أبدى ارتيابَه في حضور عائشة في جانب زوجها المحتضر » [58] ، وتقصد ما رواه ابن سعد عن ابن عباس فقال: « أخبرنا محمد بن عمر، حدثني سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غطفان قال: سألت ابن عباس.. .»، والرواية مشكوك فيها مردودة، وقد أحالت هالة في الهامش إلى “فتح الباري”، والعجيب أنه في “فتح الباري” نفسه ما ينقض الروايةَ، قال ابن حجر: « فيه الواقدي، وسليمان لا يعرف حاله » [59] ، أي: أن الواقدي متروك الحديث، وسليمان مجهول الحال مردود الرواية، ومع ذلك تعتبره هالة الوردي في ادعائها السخيف. وأما ادعاؤها أن ابن سعد عقد فصلا للتشكيك في كون النبي صلى الله عليه وسلم مات في حجر عائشة رضي الله عنها فكذبٌ أسود، فإنَّ القارئَ المراجِعَ لذلك الفصل لن يجدَ فيه كلمةً واحدة لابن سعد تدلّ على أنه عبّر عن ارتيابه في ذلك، إلا الروايات بالإسناد فقط، بل ما عقده يدلّ على أنه يصحّح ذلك، ولو كانت هالة راجعت المصدر بنفسها لما وقعت في هذا، ولكنه التقليد في الإحالة والعزو.

المثال الثاني:

قالت هالة: « وهي مهمّة كان في العادة يعهد بها إلى صحابته، ففي سنة ثمان استخلف عتاب بن أسيد على مكة ليرأس الحجة التي حضرها المسلمون والمشركون على السواء » [60] ، وأحالت على “تاريخ الأمم والملوك” للطبري، وأصل الطبري في هذا خبر ابن إسحاق في “سيرته”، والرواية ضعيفة كما في “ضعيف تاريخ الطبري” [61] ، فلا عبرة بالرواية إذن، إلا عند خِرِّيجة أدب فرنسي.

المثال الثالث:

استشهدت هالة بحديث: « أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا »، وأحالت على “طبقات” ابن سعد و”المعجم الكبير” للطبراني و”دلائل النبوة” للبيهقي، وهذا أمر اعتدته من هالة، والسؤال الذي اعتدتُ عليه أيضا هو: هل كانت هالة تحيل إلى مصادرَ اطلعت بنفسها عليها أم كانت توثق في الهامش نقلا عن “ الهوامش ” في كتب غيرها؟ وسبب هذا التشكك عندي أنها أحالت أيضا هنا على “مجمع الزوائد” للهيثمي، وفيه: « رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث » [62] ، أي: أن الرواية مردودة، فتكون هالة “ ذاهبة التوثيق “، وأما باقي روايات هذا الحديث فينظر تحقيق العلامة الألباني لها جميعا في “ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة “ [63] ، وهو مثال لما يسمى عند المحدثين: “ سرقة الحديث “.

المثال الرابع:

قالت هالة: « انصرف محمد إلى اجتذاب جنوده عن طريق ترغيبهم بما ينتظرهم من غنائم مغرية؛ إذ قال لهم: اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم » [64] ، وهذه رواية فيها انقطاع زماني، فهي من رواية مجاهد وهو تابعي لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ولد عام 21هـ [642م] في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت تبوك في العام التاسع من الهجرة [630م]، فلا عبرة بروايته يا هالة.

المثال الخامس:

قالت هالة: « وفي أحد الأيام، ثمة من سمعه يقول بشيء من الحسرة: إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب » [65] ، والحديث موضوع، رواه كذاب متروك حديثه. فيا حسرة هالة!

المثال السادس:

نسبت هالة لخديجة رضي الله عنها أنها قالت: « أشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود » [66] ، وأحالت على ابن كثير، مع أن الرواية عند ابن عساكر في تاريخ دمشق [67] : « أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الواحد بن أحمد، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الزبيبي بعسكر مكرم قرئ عليه الإسناد وبعض المتن وأنا أسمع وأجاز لنا باقي الحديث، حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان، حدثني أبي قال: بلغنا عن حديث رسول الله ..» هذا هو إسناد الرواية، فهل درسته هالة وهي خِرِّيجة أدب فرنسي؟!

هذا هو مستوى “ تحقيق الأخبار والروايات ” عند هالة “ خريجة أدب فرنسي ” ومع ذلك تدَّعي هالة الاستقراء والتحقيق!

الاعتماد على الروايات الشيعية:

لم تكن روايات المسلمين السنيّين كافية لهالة -على عادة المستشرقين- لتستطيع إعادة تركيب تاريخ أحداث النهاية كما زعمت، فاستعانت بالروايات الشيعية كما فعل المستشرقون الغربيون قبلها، فعندها: « في الأدبيات الشيعية » [68] ، و« تستحضر المؤلفات الرئيسية الشيعية » [69] و« تؤكد المصادر الشيعية » [70] و« النصوص الرئيسية الشيعية » [71] ، ومن ذلك نقلها قصة “ الصحيفة الملعونة ” من “بحار الأنوار” [72] ، وكان هذا التوظيف كافيا لإفساد عملها كله لسببين: الأول: أن الروايات الشيعية ينعدم فيها التحقيق الذي في كثير من كتب المسلمين، فالموضوعات فيها أكثر بسبب الدافع المذهبي، والثاني: أن هالة -تبعا للمستشرقين- كانت تحتاج عملية انتقاء خاصة من بين آلاف الروايات الشيعية، والانتقائية من موانع التحقيق العلمي.

إن ما فعلته هالة الوردي أنها حاكمت غالبية المسلمين بروايات اخترعها أقلية منهم، وهم غير ملزَمين بها، وإنما فعلت هذا نكاية في هذه الأغلبية، وقد كانت هالة تعرف أنها تغامر بالاعتماد على هذه الروايات الشيعية؛ ولذلك حاولت “ ترقيع الخرق “، و” تزيين القبيح “، ودفع القارئ إلى “ الثقة برواياتها الشيعية “، تقول هالة مثلا: « الروايات الشيعية -لماذا؟- موقف المصادر الشيعية الشديدة الارتياب بالخليفتين الأولين وبنتيهما عائشة وحفصة هو أبعد ما يكون عن التجني والاعتباطية، بل إن المصادر الإسلامية السنية أكدت هي الأخرى على عدم احترام أزواج محمد وصحابته لأوامره ورغباته خلال مرضه الأخير » [73] ، والنقيض هو الصحيح.

الصفحة السابقة الصفحة التالية