تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
قرر الباحث أن الأصول العقدية للفرقة الحوثية، وإن كانت تنتمي إجمالًا للزيدية، إلا أنها ترجع تحديدًا إلى فرقة الجارودية أتباع زياد بن المنذر الجارود الأعمى، وذات صلة بالتيار الجارودي، ويستدل على ذلك بأوجه التشابه في عدد من مسائل الإمامة والموقف من الصحابة التي انفردت بها الجارودية قديمًا مع ما عليه الحوثيون اليوم، ومنها:
أ- الموقف من الصحابة: يتبنى الحوثيون العقيدة الجارودية في تكفير الصحابة رضي الله عنهم؛ بدعوى أنهم قصروا في معرفة إمامة علي التي نص عليها النبي (بالوصف)، وأنهم باختيارهم لأبي بكر قد كفروا. ويُظهر الباحث استمرار هذا العداء لدى الحوثيين اليوم باتهام الصحابة باغتصاب الخلافة.
ب- عقيدة الرَّجعة: يرصد الباحث دليلًا آخر، وهو أن الحوثيين يقولون بالرجعة أي: عودة الأموات قبل القيامة، وهي عقيدة لا تقول بها أي فرقة من فرق الزيدية، بل هي خاصة بالجارودية فقط.
الفصل الثاني: فيه الحديث عن أبرَزِ رجالِ فِرقةِ الحوثيِّين:
خصص المؤلِّف هذا الفصل للتنقيب عن أبرز الشخصيات التي يرى أن لها دورًا في تكوين الفرقة وتطورها، ومن أبرزها:
ويمكن القول بأن هذه الشخصيات هي التي حملت على عاتقها مهمة تحويل الحوثيين من فكرة جارودية خام إلى فرقة سياسية مسلحة فاعلة. ويؤكد هذا الرصد أن الفرقة لم تنبثق كظاهرة شعبية عفوية، بل هي مشروع عائلي عقدي تُديره عائلة الحوثي التي تُعد مركز الثقل الديني والسياسي.
ومن هنا يتناول الفصل أربعة محاور أساسية من رجال هذه الأسرة، لكل واحد منهم دور تأسيسي في بناء الفرقة:
أولًا: بدر الدين الحوثي:
يُعد بدر الدين الحوثي المنظّر العَقَدي والعمود الفقري للمرحلة التأسيسية. فبعد ولادته في ضحيان (1345هـ) ونشأته العلمية في صعدة، تبلور دوره ليصبح المرجع الأعلى للتيار الجارودي في اليمن بعد وفاة المرجع الزيدي مجد الدين المؤيدي. يصفه بعضهم بـ (الأب الروحي)، و(المرجع العلمي الأول) للفِرقة، مما يعني أن مهمته الأساسية كانت التأصيل والتحصين العقدي للمشروع، وعمل على توفير الغطاء الشرعي والفكري للانزياح عن الزيدية التقليدية نحو عقائد الاثني عشرية.
ثانيًا: محمد بن بدر الدين الحوثي:
ولد عام 1963م، ويمكن القول بأنه كان يمثل الواجهة الفكرية والقطب المنظِّر والمؤصل المعاصر للمذهب إن صحت التسمية، ويتميز دوره بكونه كان مسؤولًا عن الجانب المؤسساتي الناعم للفرقة؛ فقد ترأس منتدى الشباب المؤمن في صعدة، والذي كان يمثل الوعاء الثقافي والحاضنة الفكرية والتجنيدية الأولى للحوثيين قبل تحولها إلى العمل المسلح. هذا الدور يؤكد أن الفرقة اعتمدت على التدرج المنهجي، بدءًا من البناء الفكري عبر المؤسسات الشبابية قبل الانتقال إلى الميدان.
ثالثًا: حسين بن بدر الدين الحوثي:
وُلِد عام 1956م، وتلقى تعليمه على يد والده وغيره من الزيدية، ثم أكمل دراساته الجامعية (بكالوريوس شريعة وقانون) في صنعاء، ثم الدراسات العليا في السودان. وكان دوره الأبرز في كونه قائد الثورة ومُفجّر المواجهة الميدانية، وهنا نجد المؤلف يلاحظ عليه التعصب المذهبي والتشدد الحاد في طرح آرائه؛ مما يشير إلى أن دوره لم يكن مجرد قيادة عسكرية، بل كان يتضمن التحشيد الفكري (الأيديولوجي) وتعبئة الأنصار بناءً على رؤاه المتشددة.
رابعًا: عبد الملك بن بدر الدين الحوثي:
وُلِد عبد الملك الحوثي في صعدة (1979م)، وتلقى تعليمه في المدارس الدينية الزيدية، وتزوج ابنة المرجِع الزيدي مجد الدين المؤيدي الآنف الذكر، واكتسب اسمه شهرته وقوته بعد مقتل أخيه حسين، ويُعد الآن القائد للحوثيين كما أنه يعتبر الواجهة الإعلامية والإدارية للفرقة. ويشير الباحث إلى ندرة وتضارب المعلومات المتاحة عنه وقت كتابته للبحث؛ مؤكدًا أن شح المعلومات يحول دون تشكيل صورة متكاملة ودقيقة لطبيعة إدارته وسياسته الفعلية.
الفصل الثالث: انتشارِ المذهب الحوثي:
خصص المؤلِّف هذا الفصل لتحليل مسارات تمدد المذهب الحوثي على الأرض و العوامل الموضوعية والذاتية التي أذنت بظهوره وتحوله إلى قوة فاعلة. ويمكن القول بأنه فصلٌ يربط بين الفكر العقدي الذي تم تأصيله في الفصلين السابقين، وبين الأثر العملي والمادي لانتشاره.
أولًا: أساليب انتشار المذهب:
يرصد الباحث مجموعة من الوسائل التي اعتمدتها الفرقة لنقل مذهبها من دائرة الفكرة الكامنة إلى حيز الفعل المجاهر به ومنها:
المجاهرة بالعقيدة والتحريض على الخروج: فقد تجاوزت الفرقة مرحلة السرية وأصبحت تعلن عن عقيدتها وتدعو إلى إقامة المحاضرات والدُّروس العلمية المباشرة التي لم تكتفِ بالتعليم العقدي وحسب، بل جاهروا فيها بأهدافهم القائمة على الدعوة للخروج المسلح ضد السلطة القائمة، وهو جوهر الفكر الزيدي المتطرف.
إحياء الشعائر الطائفية والأوجاع التاريخية القديمة: لم تكن جزءًا أصيلًا من التراث الزيدي المعتدل في اليمن؛ ويبدو أن هذا لم يكن في صالح الاتجاه الجديد الذي يميل إلى إثارة الطائفية؛ ولذا عملت على استيراد وترسيخ طقوس الأعياد والمناسبات الشيعية من الطوائف الأخرى ، مما يمثل توكيدًا لعملية التحول العقدي، وفصلًا تدريجيًا للجمهور الموالي عن الوجدان السني والزيدي العام.
تأسيس المؤسسات الفكرية والمراكز العلمية: حيث لم يكن المعول في الانتشار على الأفراد، بل على العمل المؤسسي وذلك من خلال إنشاء مراكز علمية موجهة، مثل:
أ- مركز الهادي في صعدة.
ب- مركز ومسجد النهرين في صنعاء القديمة.
ت- مركز بدر العلمي.
هذه المراكز كانت بمثابة الحواضن التعليمية التي تضمن تخريج الكوادر وتلقينها العقائد الاثني عشرية تحت غطاء الدورات الثقافية.
تزوير التاريخ ولي أعناق الحقائق لتتوافق مع العقيدة: تضمنت مظاهر الانتشار ممارسة الطعن في الحقائق التاريخية المتصلة بأصول التشيع، وذلك بهدف بناء سردية تاريخية جديدة تُشرعن وجود الفرقة ومشروعها العقدي المنحرف.
تكثيف البعثات الدراسية: فقد عملت الطائفة على ابتعاث كثير من الطلبة للدراسة في إيران والعودة بهم حاملين الفكر الإمامي الاثني عشري.
عرض عقائدهم من خلال التحكم بعقائد المخالف والتحذير منها.