موقف الحنابلةِ من الفكر الأشعريِّ من خلال “طبقات الحنابلة” و”ذيله”
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
تابع الحنابلة الإمام في منهجه، فاشتهر عنهم في الجملة شدَّةُ تمسكهم بالسنة النبوية، وما تقتضيه من توحيد وعقيدة أثرية، وكان ذلك من أسباب خلافهم الشديد لمذاهب المتكلمين الذين بدَا منهم أنواع من الاستهانة بها وبحواملها من الأحاديث النبوية، بدءًا بالمعتزلة إلى الأشاعرة المتأخِّرين، وكان يحرص صاحب “الطبقات” وصاحب “الذيل” على تحلية بعض الحنابلة بذلك من باب التنبيه بالمثال، وكانوا في ذلك بين معتدل ومبالغ، وهم في ذلك على نهج الإمام أحمد في أصل شدَّته، وجرى الحنابلة على ذلك، منه قول العلامة اللغوي محمد بن عبد الواحد أبو عمر الزاهد المعروف بـ” غلام ثعلب ” في حديث ضحك الله تعالى: « الحديث معروف، وروايته سنَّة، والاعتراض عليه بالطعن عليه بدعة، وتفسير الضَّحِك تكلُّفٌ وإلحاد »( [32] )، وهذا كلام على نمط قول الإمام مالك في الاستواء. ومن حلية المترجمين في الذيل: “ شديد في السنة “( [33] )، “ متشدِّد في السنة “( [34] )، “ شديد القيام في نصر السنة والذّبّ عنها والقمع لمن خالفها “( [35] )، “ كان متمسِّكا بالسنة معرضًا عن أهل البدع “( [36] )، “ كان مظهرًا للسنة في مجلسه “( [37] ).
إمامة أحمد عند الحنابلة:
كانت مكانة الإمام أحمد بن حنبل في نفوس الحنابلة كبيرةً، وقد صحَّت عنهم عبارات تدلّ على تعلّقٍ كبير بمذهبه وطريقته في الأصول والفروع، وهو ما يشرح ويفسِّر شدَّتَهم في مخالفة ومدافعة مخالفيهم كالمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق المخالفة لهم، ومن أقوالهم اللطيفة في ذلك قول يعقوب بن سفيان أبي يوسف: « حُجَّتي أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح المصريّ »( [38] )، وقول أبي خليفة الفضل بن الحباب البصري الجمحيِّ: « على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضوان الله، فهو إمامنا، ومن نَقتَدِي به، ونقول بقوله، الواعي للعلم، المتقن لروايته، الصادق في حكايته، القيّم بدين الله عز وجل، المتسنِّن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمام المسلمين، والناصح لإخوانه من المؤمنين »( [39] )، بل ذهب شيخ الإسلام الهروي إلى أن قال ناظما:
« أنا حنبليّ ما حييتُ فإن أمت *** فوصيَّتي ذاك إلى إخواني
إذ دينُه ديني وديني دينه *** ما كنتُ إمَّعةً له دينان »( [40] )
وهي من قصيدة طويلة( [41] )، بل ذهب عبد القادر الجيلاني إلى أعظم من ذلك، فقد سئل: هل كان وليّ على غير اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل؟ فقال: « ما كان، ولا يكون »( [42] )، أو: « لا وليّ إلا على اعتقاد أحمد »( [43] )، وقال يحيى بن منده: « إن أحمد بن حنبل إمام المسلمين، وسيّد المؤمنين، وبه نحيا، وبه نموت، وبه نبعث إن شاء الله تعالى، فمن قال غير هذا فهو عندنا من الجاهلين »( [44] ).
سعي الأشاعرة عند السلاطين على الحنابلة:
بدأ التضييقُ على المذهب الحنبليّ مع الإمام أحمد نفسه، فقد سعى المعتزلة عند جناحهم السياسيّ الخليفة وعماله وقضاته لإعلان فتنة للناس في عقيدتهم في القرآن وغيره، وإذ كان مذهب المعتزلة القولَ بخلق القرآن فقد امتُحن العلماء في ذلك، ونال الإمامَ أحمدَ من ذلك شدةُ البلاء، ثم رفعةُ المقام، ولم تنقطع محنةُ الحنابلة بعد ذلك، فقد كان من بعض الفئات الأشعرية نوع أذى بنفس الطريقة، بالسعي عند السلاطين وعمالهم.
البربهاري:
وممن نالهم أذى الأشاعرة البربهاري، فقد « كان المخالفون يغيظون قلبَ السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، في خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة، تقدَّم بالقبض على البربهاري، فاستتر، وقبض على جماعة من كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة »( [45] )، ولم يستمرَّ هذا، فقد انقلب الأمر على السلطان ووزيره، ثم بطل ذلك كله، ووقع نقيض المقصود بالسعي، فـ« أعاد الله البربهاري إلى حشمته وزادت »( [46] )، ومثل ما حصل للإمام أحمد حينما تولّى المتوكل الخلافة، « ففي خلافة الراضي… ازدادت حشمة البربهاري، وعلت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة »( [47] )، وقد عاود المخالفون له الكرة بالسعي عند الراضي، « ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضي على البربهاري، فتقدم الراضي إلى بدر الخرشني صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي باب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترا، فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة »( [48] ).
أبو جعفر عبد الله بن عيسى:
قال ابن أبي يعلى في ترجمة شيخه أبي جعفر عبد الله بن عيسى: « فوصل إلى مدينة السلام بالجانب الشرقي ولدُ القشيري، وأظهر على الكرسي مقالة الأشعري، ولم تكن ظهرت قبل ذلك على رؤوس الأشهاد؛ لما كان يلحقهم من أيدي أصحابنا وقمعهم لهم، فعظم ذلك عليه، وأنكره غاية الإنكار، وعاد إلى نهر المعلى منكرًا لظهور هذه البدعة وقمع أهلها، فاشتد أزر أهل السنة، وقويت كلمتهم، وأوقعوا بأهل البدعة دفعات، وكانت الغلبة لطائفتنا طائفة أهل الحق، فلما أدحض الله تعالى مقالتهم وكسر شوكتهم عظم ذلك على رؤسائهم، وأجمعوا للهرب والخروج من بلدنا إلى خراسان، فبلغ ذلك وزير الوقت، فقال: ما الذي حملكم على ذلك؟ فأظهروا الشكاية مما قد تمَّ عليهم، فوعدهم بأن يكفَّ عنهم ذلك، واجتمعوا ودبّروا على حضوره »( [49] )، وكان قصدهم التضييقَ عليه، ودفعَ الوزير إلى حبسهم عن إظهار عقيدتهم، بحيث كتبوا إليه يشكون الحنابلة، ويسألونه المعونة عليهم بالسلطان، فأُلزم أبو جعفر الإقامة الجبرية، ومنع أصحابه من الدخول عليه، بل اتفق جماعة من الأشاعرة على الهجوم على أبي جعفر لإيقاع الأذى البدنيّ به وبأصحابه( [50] )، ونادَوا باسم السلطان العبيدي الشيعي المستنصر بالله، تشنيعًا على الخليفة العباسي بدعوى ميله إلى الحنابلة( [51] ).