شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف الحنابلةِ من الفكر الأشعريِّ من خلال “طبقات الحنابلة” و”ذيله”

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

تكرَّر الأمر مع أبي جعفر، وتكرَّر منع أصحابه منه، وألزم بيته واستتر كما استتر غيره ممن ابتُلُوا بسعايات الأشاعرة عند السلاطين ووزرائهم وعُمالهم، فكلما ضُيِّق عليهم فكريًّا اتَّسعوا في السعاية في غير عدل ولا إنصاف، فكانوا يقصدون إلى الظهور بغير حجة العلم، بل بظلم السلطان، وهذه حال مستمرة إلى الآن، فحيثما كانت عقيدة الإمام أحمد، وأظهر عالم وأصحابه مذهبه ونصره، سعوا إلى تغيير قلب السلطان عليه، والظاهر أن هذا باق ما بقي المخالفون لعقيدة الإمام أحمد التي هي عقيدة الكتاب والسنة.

عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي:

وممن نالتهم فتنة الأشاعرة المحدث الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي صاحب التصانيف الكثيرة، ومنها “ محنة الإمام أحمد “، ويقدِّر الله تعالى له أن يقع له محنةٌ أيضا، فقد أرادوا أن يفسدوا عليه مجلسَ تحديثه، والوقيعة بينه وبين الناصح أبي الفرج ابن الحنبلي، ثم سعى كبارهم وثلَّة من رؤوسهم عند الولي في قلعته، وكان رأسهم القاضي، وقالوا له: « هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا »( [52] )، وطلبوا إحضارَ عبد الغني بين يديه، فبلغ الخبر طائفة من الحنابلة، فطلبوا منه عدمَ الحضور، وأنهم سيباشرون مناظرة الأشاعرة نيابة عنهم، فأُحضِر خفية وناظروه واستثاروه، فخرج من دمشق إلى غيرها، ونبه الحافظ ابن رجب على أن قصةَ هذه الفتنة رُويت عند الأشاعرة على غير وجهها، وأن فيها أنهم كفَّروه وأهدروا دمه لقوله -في ما زعموه- بالجهة والحرف لله تعالى( [53] )، وهذا من الظلم العظيم، والتجاوز لحدود الشرع والعقل، وما هذا إلا أهواء وحظوظ نفس نسأل الله السلامة والعافية، وهذا من مقاصد هذه الورقة العلمية: الدعوة إلى أن تُعرَض الرواية الحنبلية، وتقابَل بالرواية الأشعرية، ويستخلَص منهما الأقرب إلى ما كان في الواقع، والله المستعان.

عبد اللطيف بن علي بن النفيس البغدادي:

وممن امتُحن بسبب اعتقاده في الصفات على طريقة أحمد وأهل الحديث عبد اللطيف بن علي بن النفيس البغدادي، « امتُحن لقراءته شيئًا من أحاديث الصفات بجامع القصر، فسعى به بعض المتجهمة، وحبس مُدَيْدَة، وأُسقطت عدالته، ثم أفرج عنه، وأعاد عدالته ابن مُقْبِل، ثم أسقطت، ثم أعاد عدالته قاضي القضاة أبو صالح، فباشر ديوان الوكالة إلى آخر عمره »( [54] ).

شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية:

أشهرُ مَنِ امتحن في كل هذا بعد الإمام أحمد هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وقد امتُحن معه ثلةٌ من تلامذته، بل امتُحن معه أخوه، قال ابن رجب فيه: « حبِس مع أخيه بالديار المصرية مدَّة، وقد استُدعي غيرَ مرة وحدَه إلى المناظرة، فناظر وأفحم الخصوم »( [55] )، وقد دوِّنت تفاصل محنته وتلاميذه وأصحابه، وحسبي ما وقفت عليه في “الذيل” لابن رجب، فقد نقل عن الذهبي من “معجم شيوخه” قوله: « ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدَّ عليهم، وَنبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأُوذي في ذات اللّه من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وَكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، أحيى به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلمُ بتثبيت أولي الأمر، لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأَبّ النفاق ، وأبدى صفحته، ومحاسنُه كثيرةٌ، وهو أكبر من أن ينبِّه على سيرته مِثلي، فلو حلفتُ بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعيني مثلَه، وإنه ما رأى مثل نفسه »( [56] )، ونقل عن الذهبي أيضا قوله: « قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي… جرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله »( [57] ).

وقد امتُحن الشيخ بسبب “ الحموية و” الواسطية ” وغيرها، وأحضِر بين يدي السلطان ليناظر، قال ابن رجب: « ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه العقيدة سنية سلفية »( [58] )، فانحاز له السلطان، ثم سعى في أذاه المصريون، واحتالوا في ذلك، في تفاصيل يطول ذكرها، وكان آخر محنته أن حبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرا، وفيها مات رحمه الله( [59] ).

فتنة ابن القشيري:

يسمّيها الحنابلة: “ فتنة ابن القشيري “ ( [60] ) ، ويسمّيها ابن السبكي: “ فتنة الحنابلة “( [61] )، ولعلَّها من أكثر الفتن شهرةً في تاريخ خصومةِ الأشعرية لأهل الحديث والحنابلة( [62] )، ومن أوائل الفتن التي أفسدَت ما كان بين الطرفين، فلا يزال دخانها مشمومًا إلى الآن، فقد كانت فتنة مذهبيّة قامت في بغداد سنة 469هـ ، بين الحنابلة وخصومهم من الأشاعرة ومن تعصَّب لهم، بقيادة أبي نصر بن القشيري ، وبسند من أبي سعد الصوفي و أبي إسحاق الشيرازي ، وبحماية سياسيّة من الوزير نظام الملك ، وكان سبب الفتنة أن قدِم أبو نصر بن القشيري إلى بغداد وجلس في المدرسة النظامية مظهرًا للعقيدة الأشعرية، عائبًا على الحنابلة مذهبَهم، متّهمًا إياهم بالتجسيم، فأثار ذلك الحنابلةَ، وزادها اشتعالًا تحالفُ أبي إسحاق الشيرازي والمتصوفة مع ابن القشيري، وكتابتهم لنظام الملك يشكونهم إليه، طالبين مساعدته ضدَّ الحنابلة، فآل الأمر إلى محاولة اعتداء بدَني على الشريف أبي جعفر في مسجده، وقد أظهر الشريفُ مدافعة قوية للجانب الأشعري، ثم عقد لقاءَ مصالحةٍ بدعوة من الوزير، لكن الشريف رفض المصالحة معتبرًا أن الخلاف بينهم عقديّ لا يمكن رفعه، وقد كان الخليفة العباسيّ في كل هذا في موقف محرج، بين ضغط سياسيّ من الوزير نظام الملك بمقتضى طلب الأمن والاستقرار والسّلم المجتمعي، وبين وقوفه مع قريبه الشريف، واتهامه بالميل إلى الحنابلة، فاختار إكرام الشريف وفرض الإقامة الجبرية عليه في صورة استضافة، مع نفي ابن القشيري وأمره بلزوم بلده، واستقرّ الأمر لذلك في بغداد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية