شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

موقف الحنابلةِ من الفكر الأشعريِّ من خلال “طبقات الحنابلة” و”ذيله”

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

عرض ابن أبي يعلي في “الطبقات” وابن رجب في “الذيل” هذه القصة بإيجاز، وكان من مهمّات ما عُرِض قول ابن أبي يعلى: « وصل إلى مدينة السلام بالجانب الشرقي ولَدُ القشيري، وأظهر على الكرسي مقالة الأشعري، ولم تكن ظهرت قبل ذلك على رؤوس الأشهاد؛ لما كان يلحقهم من أيدي أصحابنا وقمعهم لهم، فعظم ذلك عليه، وأنكره غاية الإنكار، وعاد إلى نهر المعلى منكرًا لظهور هذه البدعة، وقمع أهلها فاشتدّ أزر أهل السنة، وقويت كلمتهم، وأوقعوا بأهل هذه البدعة دفعات، وكانت الغلبة لطائفتنا: طائفة الحق، فلما أدحض الله تعالى مقالتهم وكسر شوكتهم عظُم ذلك على رؤسائهم، وأجمعوا للهرب والخروج عن بلدنا إلى خراسان »( [63] )، وهذا نصّ دالّ على طبيعة الخصومة التي كانت بينهما، بل المغالبة، ففيه أن مقالة الأشاعرة كانت طارئة.

كانت النظامية في الجملة مَجمَعا للأشاعرة، فُتن الناس بما كان يُذاع فيها من مذاهب الأشاعرة، وحكى بعضهم شيئا من ذلك، ففي الذيل عن أبي الفضل محمد بن ناصر قال: « كنت أسمع الفقهاءَ من النظامية يقولون في القرآن: معنى قائم بالذات، والحروف والأصوات عبارات ودلالات على الكلام القديم القائم بالذات، فحصل في قلبي شيء من ذلك، حتى صرتُ أقول بقولهم موافقةً »( [64] )، ثم ذكر رجوعه إلى مذهب الحنابلة بعد رؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وقِس على النظاميةِ الجامعاتِ في العالم الإسلامي، التي تسلَّطت عليها مذاهب الكلام، بل الإلحاد، نسأل الله السلامة.

يهمُّني من هذا أنه مهما كانت فتنة فإنها لا تبلغ إفسادَ عقائد الناس إن قام في وجهها عالم يأتمون به، يقول كلمة الحقّ، ويدفع في وجه المحدَث المبتدَع، كما فعل الشريف أبو جعفر في فتنة ابن القشيري وغيره في غيرها، ولذلك قال الإمام أحمد: « الفتنة إذا لم يكن إمامٌ يقوم بأمر الناس »( [65] )، وهي كلمة ممتازة نافعة، ومقتضاها أنه إن لم يكن إمام للناس في الحقّ نفذت الفتنة إلى قلوبهم، فأفسدت دينهم.

قضية أبي إسحاق الشيرازي:

ظهر اسم أبي إسحاق الشيرازي الشافعيّ في قصة فتنة ابن القشيري، وقد أثار هذا الباحثين، فحاولوا تحقُّق موقفه من أحداث تلك الفتنة، وإلى أيّ الجانبين كان يميل، وقد أشار ابن عساكر إلى أنه وقع اختلاف في نسبته عقيدة( [66] )، وقد ألف أبو إسحاق الشيرازي رسالة في بيان معتقده، سماها: “ الإشارة إلى مذهب أهل الحق “( [67] )، نسجها على منوال المنتسبين إلى الأشعري ممن كان بعد ابن مجاهد ثم الباقلاني، وتلخيص قصته في الفتنة أنه بعد إظهار ابن القشيري التنقيصَ من الحنابلة، وردهم عليه ومن معه بالتضييق، أظهر أبو إسحاق الشيرازي موافقةَ ابن القشيري، ومال إلى نصره، وأظهر الغضبَ على الحنابلة، وعزم على الخروج من بغداد، وبعد أن تدخلت الجهات السياسية للإصلاح بين الجهتين، وحضر المختصمون في مجلس واحد، قام أبو سعد الصوفي وأبو نصر بن القشيري فأظهرا التعظيمَ للشريف أبي جعفر، و«قام إليه أبو إسحاق، وكان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ، فقال: أنا ذاك الذي تعرف، وهذه كتبي في أصول الفقه، أقول فيها: “خلافًا للأشعرية”، ثم قبّل رأسه، فقال له الشريف: قد كان ما تقول، إلَّا أنك لما كنت فقيرًا لم تُظهِر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان خواجا بُزُرْك -يعني النظَّام- أبديتَ ما كان مخفيًّا» ( [68] ) .

أما اعتذار الشيرازي بأنه يُظهر المخالفة للأشاعرة في كتبه فهذا صحيح، فإنه يذكر في التبصرة في أصول الفقه مثلا مذهب الشافعي وأتباعه، ويذكر مذهب الأشاعرة، ويظهر مخالفته، فيتكلّم بلسان الشافعية فيقول : «لنا»، ثم يذكر أدلتهم في نقض مذهب الأشاعرة( [69] )، ويناقض هذا في الظاهر “ إشارته إلى مذهب الحق ” أي: الأشاعرة، في المعتقد، والظاهر أنه كان يفرق بين الجهتين، فهو في المعتقد على مذهب الجويني ومدرسته ومن يشاكله، وفي أصول الفقه على مذهب الشافعي وأتباعه الكبار، وقد أقرَّه الشريف أبو جعفر على ما اعتذر به، لكنه كرَّ عليه بتهمة التقية الفكرية، والله يتجاوز عنهما، وقد كان الأَوْلى بأبي إسحاق أن يكون مصلحًا لا مرجِّحًا في مثل هذه الفتن التي قد تسيل فيها الدماء، والله يغفر لنا وله.

مفاوضات بين الحنابلة والأشاعرة:

كان للحنابلة مع الأشاعرة مفاوضاتٌ مباشرة في مناظرات، وأخرى عن طريق مؤلّفات الردّ والنقد، وقد كانت تُعقَد مجالس مناظرات بين الحنابلة وخصومهم من المتكلمين، كان أوَّلها مناظرة الإمام أحمد للمعتزلة في حضور المعتصم، واستمرَّ الأمر على ذلك، وقد مرَّ التنبيه على بعضها، ومن لطائف هذا أنه عُقِدت في المغرب أيضا مجالس مناظرة بين ممثِّلين لمذهب أهل الحديث والسلفية وبين ممثِّلين للأشاعرة في عهد مَلِكين علويَّين، الأولى بين العلامة عبد الله السنوسي وبينهم زمن الحسن الأول، والثانية بين العلامة عبد الرحمن النتيفي زمن محمد الخامس رحمهم الله جميعا، وكان للنتيفي كتاب في الرد عليهم طُبع باسم: “ نظر الأكياس في الرد على جهمية البيضاء وفاس “، ثم خفّف في طبعة أخرى باسم: “ نظر الأكياس في الرد على علماء البيضاء وفاس “( [70] )، والمقصود بالبيضاء مدينة الدار البيضاء.

ومن المناظرات المشهورة التي عرضت في ذيل الطبقات محاورة قصيرة بين شخص سمِّي ابن تميم من الحنابلة وبين أبي البيان نبأ بن محمد الأشعري في كلام الله تعالى، ومما فيها قول ابن تميم في احتجاج الأشاعرة ببيت الأخطل النصراني: إن الكلام لفي الفؤاد…: « فالحنابلة أتوا بالكتاب والسنة، وقالوا: قال الله تعالى، وقال رسوله، وأنتم قلتم: قال الأخطل، شاعر نصراني خبيث »( [71] ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية