مِن دروس رمضان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • التزكية
الحاصل: أنه لابد لكل مسجد مِن رواد يحافظون على الصلاة فيه، ولابد مِن قائمين على أمره والإصلاح مِن شأنه، وأما مَن عدا هذين الصنفين مِن الناس؛ فهم في عُرْف أنفسهم -فضلاً عن عُرْف غيرهم- زائرون حقيقيون ليس لهم أن يشاركوا برأي ولا مشورة، ولا غير ذلك، والغالب على هؤلاء أن يكونوا زائرين للحي أصلاً؛ لأن كل ساكن للحي ممن مَنَّ الله عليه بالمحافظة على صلاة الجماعة؛ فلابد وأنه سيكون مِن رواد مسجد ما.
ولكن الأمر في رمضان يختلف: حيث يكثر الزوار مِن أبناء الحي الذين قرروا المحافظة على صلاة الجماعة في رمضان، ومِن ثَمَّ يختار كل واحد منهم مسجدًا مِن مساجد الحي لكي يحيا ضيفًا عليه في شهر رمضان.
وكم أتمنى لو كان قرار هؤلاء الزوار بالمحافظة على صلاة الجماعة قرارًا استراتيجيًّا لا موسميًّا، وأن يعزموا على صلاة الجماعة طوال حياتهم؛ ولذلك فنحن نوجِّه الدعوة إليهم وإلى القائمين على المساجد على حد سواء أن يكون التعامل مع الضيوف الرمضانيين على أنهم من رواد المسجد، وأن يُستثمَر شهر رمضان في دمجهم في المسجد، وربطهم بدروسه وخطبه، وإيجاد الأخوة مع أهل المسجد.
بيد أن هناك طائفة من الزائرين يزداد طموحنا إلى جعلهم من القائمين على أمر المسجد، وليس مجرد رواد المسجد، وهم الذين كانوا في يوم مِن الأيام من القائمين على المسجد، ثم ابتعدوا عن هذه الرسالة السامية، ولا شك أن القائمين على أحوال المساجد هم أعلم بمن كان معهم وربما كان قبلهم ثم ابتعد!
وكثير مِن هؤلاء يأخذه الحنين في رمضان لا سيما مع تصفيد الشياطين لكي يعود إلى مسجده، ولكنه غالبًا ما يفضل أن يعود زائرًا، بل زائرًا خفيفًا -كما يقولون-، فتجده في زاوية من زوايا المسجد في صلاة القيام، إذا جلس ضم ضلوعه إلى بعضها، كأنما يريد منها أن تدفن معه سره، فلا يلتفت أحد إلى أن هذا فلان الذي كان هنا يومًا من الأيام، عيناه تعانقان المكان، تتفحصان ما زاد وما نقص، فإذا اصطدمت بعيني من يعرفه ردهما إلى الأرض، يرى الأمر الذي لا يعجبه، تتحرك شفتاه بالاعتراض أو التوجيه، بينما لسانه ما زال ساكنًا، وقلبه المتردد يعقد شفتيه على لسانه مرة أخرى.
فيا أخي العائد...
- استثمر الشهر الكريم، وعُدْ بقوة، ولا تختر تلك الزاوية البعيدة من المسجد، ولكن عُد إلى حيث المسابقة على الصف الأول؛ تصرف وكأنك صاحب بيت، فأنت بالفعل كذلك.
- اسأل عما تفتقده مِن نقص، وحبذا لو عرضت على القائمين أن تُتِمَّه: أين المجلة الرمضانية؟ أين المشروب الرمضاني المثلج؟ أين المشروب الساخن للقارئ؟ بل أين القارئ الاحتياطي؟ أين... ؟ أين... ؟!
ربما تسمع ما لا يسرك أو تجده في أعين الآخرين... لا بأس، ونسأل الله لهم الصبر، فإعادة تثبيت عضو في مكانه من الجسد عملية ليست سهلة، ولكنها في النهاية تستحق كل ما يمكن تحمله في سبيله من آلام!
إن فاتك ذلك... فلا يفوتك الاعتكاف، وفي مسجدك الذي كنت في يوم مِن الأيام من القائمين عليه، أنت بالذات أستحلفك بالله إذا مَنَّ الله عليك بالاعتكاف؛ فليكن في بيتك الأول، عشرة أيام كفيلة بأن تعيد تثبيتك في مكانك.
فإن فاتك ذلك فلا تفوتك صلاة العيد؛ حيث الأعمال كثيرة، والساحة تتسع لكل مشارك، احمل مكنسة، أو علق لوحة، أو حتى شجع مَن يفعل ذلك، وبعد الصلاة تقدم بمقترحاتك البناءة لمن ينظمها، واعرض عليه المساعدة فيها، فإذا بك قد عدت.
نسأل الله -تعالى- أن يردنا إليه ردًا جميلاً.
3- فضائل أبي هريرة الرمضانية
فكم هي كثيرة فضائل صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!
وكم هو عظيمٌ جميلهم على مَن جاء بعدهم!
وجماع ذلك أنهم آمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونصروه، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ليحملوا النور إلى أهل الأرض جميعًا في زمانهم، وليحفظوه لمن جاء بعدهم كما قال -تعالى-: ( فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف:157) .
ولقد كان جهاد الصحابة -رضي الله عنهم- في ميدان الحجة والبيان جنبًا إلى جنب مع جهادهم في ميدان السيف والسنان، وفي كلٍ كان لهم اليد الطولى على مَن جاء بعدهم ممن انتفع بجهادهم، وإن كان بعضهم أكثر عطاءً في أحد الجانبين عن الآخر، فيبرز في جانب جهاد السيف والسنان أسماء كثيرة يأتي على رأسها بالنسبة لأهل مصر والشمال الأفريقي كله عمرو بن العاص -رضي الله عنه- الذي أخرج الله على يديه مصر مِن الظلمات إلى النور.
ويبرز في جانب حفظ العلم ونقله كثير من الصحابة، ومنهم المكثرون من الفتيا، ومنهم المكثرون من الرواية، ومعظم المكثرين من الرواية كانوا غلمانًا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومنهم مَن اشتغل بخدمة النبي -صلى الله عليه وسلم-: كأنس بن مالك، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين-؛ مما أعطى لهم فرصة كبيرة ليحفظوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعوا.
وهؤلاء منهم مَن كفلته أمه كأنس -رضي الله عنه- ليتفرغ لخدمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم مَن تحمل عن طواعية واختيار ألم الفقر ومرارة الجوع، يشبع حينًا ويجوع أحيانًا كأبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولقد حفِظت الأمة جيلاً بعد جيل جميل هذا الجيل الأول امتثالاً لأمر الله -عز وجل-: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) (الحشر:10) ، وامتثالاً لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ ) (متفق عليه) ، واعترافًا بالجميل لهم؛ فبجهادهم انتشر الإسلام فدخلنا فيه -بفضل الله-، وبعلمهم حفظ الدين فعلمناه وعملنا به بفضل الله -تعالى-.
وإذا كان الكفار يظهرون العداوة لدين الله جملة وتفصيلاً؛ مما يجعل أمرهم واضحًا لكل ذي عينين، فإن الشيطان قد أوحى إليهم أن يتخذوا من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا مَن يزعم حب النبي -صلى الله عليه وسلم-، بينما هو يسب صحابته وحملة شريعته!