شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مراتب المحبة

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

فضن بها إن كنت تعرف قدرها إلى أن ترى كفؤا أتـاك موافـيـًا

فابخل بهذا العلم عن غير أهله إن كنت تعرف قدره، وليس معنى ذلك عدم عرضه على الخلق ابتداءً، بل لا بد مِن البيان، ولكن إذا وجدت الإعراض والغفلة والعمى؛ فابتعد حتى ترى مَن يصلح لهذا الشأن، وعلِّمه هذا العلم وبيِّنه له، فهو الذي يقبله وهو كالكفء للحسناء.

أتاك موافيًا: أي موافقًا على بذل مهر المحبة وهو التضحية والبذل للنفس والمال.

فما مهرها شيء سوى الروح أيها الـجـبان تأخـر لست كـفـؤًا مساويًا

إذا أردت أن تكون محبًّا محبوبًا فإن الله اشترى مِن المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فنفسك وروحك إذن إن كنت قبلت البيع ليست ملكًا لك، فسلمها لمالكها يفعل بها ما يشاء، وهو قد وعدك أن يحفظها عليك ويردها عليك أوفر مما كانت، أما مَن لا يريد البذل ولا التضحية ولا يريد أن يصاب في سبيل الله؛ فهو الجبان عن البذل، فليتأخر فليس أهلاً للمحبة، ولا صالحًا لهذا البيع، لستَ كفئًا لهذه المسألة العظيمة لا تصلح لها، ولا تصلح لك ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) .

فـكـن أبدًا حيث استقـلت ركائب المحبة في ظهر العزائـم ساريًا

فكن أيها المؤمن حيث أمرك الله شرعًا أن تكون، وافعل ما يحبه الله وما يقتضيه حبه مِن اتباع -رسوله صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا الحب يحملك حملاً إلى المنازل العالية في أسرع وقت، وفي أهنأ سفر وأكثره راحة؛ بلا عناء ولا تعب، فسر دائمًا بالعزيمة والإرادة الجازمة لوجه الله، فالإرادة الصادقة منك له -سبحانه- على ظهرها تسير إلى بلاد الأفراح.

وأدلــج ولا تــخــش الــظــلام فإنه سيكفيك وجه الحب في الليل هاديًا

يقول: سر في الليل، سر والناس نيام، استجب لله وأكثر الخلق لم يستجيبوا بعد، التزم بطاعته وأكثر الناس في غفلة عن ذلك نتيجة عدم ظهور الإسلام ونوره في بلاد الأرض، ولا تخشَ الظلام، ولا تخشَ مِن انتشار الباطل وشبهاته وشهواته، وسيطرته الزائفة؛ فيكفي إرادتك لوجه الله الذي تحبه أعظم الحب هاديًا لك منيرًا لك الطريق وسط الشبهات والشهوات.

وسقها بذكراه مطاياك إنه سيكفي الــمطـايـا طـيـب ذكــراه حــاديــًـا

وسق نفسك وقلبك رغم الظلمة والانفراد ووحشة الطريق بذكر الله -سبحانه-، فإن ذكره -سبحانه- سيكفي قلبك مهونًا عليه عناء الطريق ووحشته، بل مؤنسًا محببًا السير كالحادي للإبل، بل أعظم بلا شك ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد:28) .

وعدها بروح الوصل تعطيك سيرها فما شئت واسـتـبـق العظـام البواليا

وعد نفسك إذا تعبت مِن متاعب الطريق وأذى الأعداء ووحشة الانفراد بالروح، أي: الراحة التي تحصل لها عند الوصول إلى المحبوب وما يكون لها مِن أنواع الإكرام والإنعام في الجنة والفوز برضوان الله -تعالى-، والنظر إلى وجهه، فالرجاء مِن أعظم ما يعين العبد على تحمل المصائب والمشاق في طريق الدعوة والعمل لله -سبحانه-، فسوف تعطيك النفس سيرها كما تشاء، وسوف تنطلق بأسرع سرعة، واسبق الأموات: أي: مَن لم يعرفوا ربهم، ولم يوحدوه، ولم يحبوا أمره، بل هم صاروا لطول موت قلوبهم كالعظام البالية.

وأقدم فإما منية أو منية تريحك مِن عــيــش بـه لسـت راضـيـًا

أقدم في طريق الدعوة إلى الله؛ فإن لك إحدى الحسنيين: إما تحقيق ما تتمناه مِن النصر والتمكين، فضلاً عما تجده مِن الله وحب الكائنات، وذوق حلاوة الإيمان؛ وإما موت في سبيل الله فهي الشهادة "منية" موتة تريحك مِن عيش الدنيا الذي لا ترضى به ولا ترتاح فيها لا أنت ولا غيرك، فلا راحة فيها لمؤمن ولا لكافر، لا راحة فيها إلا في طاعة الله ومحبته وإجابة أمره.

فـمـا ثـمَّ إلا الـوصـل أو كَلَف بهم وحسبك فوزًا ذاك إن كنت واعيًا

فليس في الطريق إلى الله إلا أن تصل إليه إذا مت على الحق فقدمت على الله أو حييت على الحب والانشغال بأمره وهو الكَلَف؛ أي: شدة الانشغال بحبه وطاعته، وكفى بهذا فوزًا معجلاً في الدنيا لو كنت تدرك الحقيقة؛ فليس ألذ وأهنأ مِن طعم الإيمان.

أما سئمت مِن عيشها نفسُ والهٍ تبـيـت بـنـار البعـد تلقى المكاويا

أما ملت العيش مِن أجل شهواتها، فعيش النفس المتعلقة بالدنيا عيش كئيب مُمِلّ يلقى الإنسان فيه نار البعد عن الله، ويكوى جسده، بل قلبه بآلام المعاصي والذنوب التي تبعده عن الله. وَالِهٍ: هو المحب لشهوات الدنيا، والنفس عندهم الصفات المذمومة في الإنسان.

أما موته فيهم حياة وذله هو العز والتوفيق ما زال غـالـيًا

ترغيب في البذل، بذل النفس في سبيل الله، فإن الموت في سبيل الله هو الحياة. موته: موت العبد. فيهم: أي في سبيل الله، والجمع للتعظيم، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (آل عمران:169-170) .

وذل العبد لله هو العز بعينه، وما إهانة الناس في سبيل الله وما اعتبروه ذلاً وصغارًا في أعينهم إلا هو العز بعينه، وعن قريب سوف يعلمون، كما علمت امرأة العزيز أن سجن يوسف لم يكن صغارًا وذلاً، بل كان ملكًا وعزًّا، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (آل عمران:123) ، فكان ذلهم في أعين الناس لقتلهم، وكانوا هم الأعزة بطاعة الله والجهاد في سبيله، وأكثر الناس لا يعرفون هذه الحياة وهذا العز، وإنما يوفـَّق لفهم هذه الأمور القلة مِن الناس والأفذاذ مِن العالم؛ ولذا فالتوفيق الذي هو مِن الله هو أمر غالٍ نادرٍ لا يمن الله به إلا على مَن هو أهل له.

الصفحة السابقة الصفحة التالية