"لماذا يَحرم زواج المسلمة مِن الكتابي؟!" سؤال فَهِمَ "الألمان" إجابة شيخ الأزهر عليه... وهنا ما زالوا يجادلون!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
قصة مباهلة النبي -صلى الله عليه وسلم- لنصارى نجران قطعية الدلالة في هذا الباب، ومنها: قوله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (آل عمران:61) .
3- ومِن عجيب شأن البعض أنه يحتج بآية المباهلة في فضل "آل البيت" وهي كذلك، ولا يحتج بها في كفر النصارى مع وضوحها!
وإذا علمتَ أن اليهود والنصارى كفار بنص القرآن؛ فهل هم مشركون؟
واقع الحال أنهم مشركون؛ لأنهم يعبدون مع الله غيره، ومِن ذلك قوله -تعالى-: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة:31) .
ولكن قد ورد في مواطن مِن القرآن تقسيم الكفار إلى نوعين:
- المشركون.
- أهل الكتاب.
وذلك في مثل قوله -تعالى-: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) (البينة:1) .
قال الشيخ "سيد طنطاوي" شيخ الأزهر السابق في تفسيره الوسيط: "والمعنى: لم يكن الذين كفروا مِن أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، ولم يكن -أيضا- الذين كذبوا الحق مِن المشركين، ولم يكن الجميع بمفارقين وبمنفصلين عن كفرهم وشركهم ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) التي هي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلما أتتهم هذه البينة، منهم مَن آمن، ومنهم مَن استمر على كفره وشركه وضلاله!".
وورد ذلك أيضًا في قوله -تعالى-: ( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (البقرة:105) .
ويؤخذ مِن هذا أن القرآن قد يخص الوثنيين بوصف الشرك، ويكون وصف الكفر شاملاً للوثنيين ولأهل الكتاب، وهذا لعله ناشئ مِن أن أبرز مظهر مِن مظاهر كفر أهل الكتاب مع شركهم، هو كفرهم بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ بينما أبرز مظهر لكفر الوثنيين هو عبادتهم آلهة متعددة مع الله؛ وإلا فأهل الكتاب جمعوا بيْن الكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وبين عبادة الأنبياء، فهم كفار مشركون، والوثنيون جمعوا كذلك بيْن الكفر بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وبين عبادة آلهة مِن دون الله.
سادسًا: هل ينطبق على أهل الكتاب كل ما ينطبق على باقي الكفار؟ وهل ما ينطبق على باقي الكفار ينطبق على أهل الكتاب؟
نستصحب ذات المثال الذي ذكرنا آنفًا:
س: إذا صدر قانون أو قرار وزاري في مصر: هل يطبَّق على أهل القاهرة؟
الإجابة: نعم.
س: إذا صدر قرار مِن محافظ القاهرة: هل يطبق على باقي المحافظات؟
الإجابة: لا.
س: إذا صدر قرار وزراي ثم صدر قرار آخر خاص بالقاهرة؛ فأي القرارين يطبق؟
الجواب: يطبق الأول في كل المحافظات "عدا القاهرة"؛ فيطبق فيها الثاني.
وهذا المثال الأخير يسمَّى عند علماء الأصول تخصيصًا، وهو الحاصل بالنسبة للنهي عن زواج المسلم بالمشركة، فقد تم تخصيصه -أي استثناء الكتابية مِن هذا- فأبيح زواج المسلم بها، وأما زواج المسلمة مِن الكافر أو المشرك فأتى فيه المنع دون تخصيص، فيبقى على عمومه.
سابعًا: زواج المسلم مِن غير المسلمة:
ورد في هذه المسألة ثلاثة أدلة:
الدليل الأول: قوله -تعالى-: ( وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) (البقرة:221) ، أي لا يجوز للمسلم أن يتزوج مشركة، وهو يشمل الكتابية والوثنية -كما بيَّـنَّا-، وربما قال بعضهم: يشمل الوثنية فقط؛ لما ورد في القرآن مِن تقسيم الكفار إلى مشركين وأهل كتاب، وعلى أيٍّ فقد جاء النهي عن إمساك الزوجة الكافرة، وهو اللفظ الذي شاع في القرآن استعماله في حق الوثنيين وأهل الكتاب معًا كما في قوله -تعالى-...
الدليل الثاني: قوله -تعالى-: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (الممتحنة:10) :
أي لا تبقوا المرأة الكافرة في عصمتكم، ومنه يتضح أن الشرع نهى المسلم عن الزواج مِن غير المسلمة: بلفظ الشرك، وبلفظ الكفر؛ مما يعني دخول الكتابيات فيه، ولكن ورد لاحقًا ما أفاد استثناء الكتابيات، وهذا هو الدليل الثالث...
الدليل الثالث: قوله -تعالى-: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (المائدة:5) .
وبهذا يثبت استثناء التكابيات مِن عموم تحريم نكاح المسلم لغير المسلمة.
وقد اختلف العلماء في تعليل هذا الاستثناء، وأيًّا ما يكن مِن حِكَم استخرجها العلماء اجتهادًا لهذا الحكم؛ فلا يدل هذا على أن أصل المسألة اجتهادية، بل هي منصوص عليها -كما تقدم بيانه-.
ثامنًا: زواج المسلمة مِن غير المسلم:
ورد في هذه المسألة دليلان:
الدليل الأول: قوله -تعالى-: ( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (البقرة:221) .