وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (6) الفرج بعد الشدة
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
قال الله -تعالى-: ( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) (يوسف:69-77) .
ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمرهم حين دخلوا بأخيهم "بنيامين" على شقيقه يوسف -عليه السلام- وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسأله عما كان منهم مِن الإساءة إليه، ثم احتال على أخذه منهم، وتركه إياه عنده دونهم؛ فأمر فتيانه بوضع سقايته -وهي التي يشرب بها- عن غرة في متاع "بنيامين"، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده حمل بعير، وضمنه المنادي لهم، فأقبلوا عليه فقالوا: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به مِن السرقة، فقالوا ما جزاء مَن يفعل ذلك في شريعتكم؟ قالوا: جزاؤه أن يدفع إلى المسروق يتخذه عبدًا مملوكًا له، فبحثوا في الأمتعة فوجدوها في رحل أخيه، فكان ما حكموا به أن انتقل "بنيامين" إلى ملك يوسف -عليه السلام-، وهذا بشريعة يعقوب -عليه السلام- وليس سياسة دين أهل مصر، فما كان يقدر يوسف -عليه السلام- على أخذه بذلك.
- تدبير اللطيف الخبير لعبده يوسف وثناؤه عليه: ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ )، ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ).
- عظيم صبر يوسف وحلمه: ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ).
- عظيم تعلق يوسف بربه وتعبده الدائم بأسمائه وصفاته: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ).
المشهد الرابع: محاولات فاشلة ورجوع بألمٍ جديد:
قال الله -تعالى-: ( قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ . وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف:78-87) .
ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن محاولاتهم الرجوع بأخيهم حيث تعطفوا بكبر أبيه وحاجته إليه، وإن كان لا بد؛ فلتكن العقوبة في أحدنا مكانه، فقال: كيف نأخذ البريء وندع المتهم، وإنما نأخذ مَن وجدنا متاعنا عنده، وإلا كنا ظالمين، فلما استيأسوا مِن أخذه منه، خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: لقد أخلفتم عهدكم مع أبيكم وفرطتم في أخيكم كما فرطتم في أخيه يوسف مِن قبله، فلم يبقَ لي وجه أقابل به أبي، فلا أزال مقيمًا ها هنا حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه أو يقضي الله أمرًا آخر، والآن ارجعوا إلى أبيكم واخبروه بما رأيتم مِن الأمر في ظاهر المشاهدة، وأن هذا الأمر قد اشتهر علمه مع العير التي كنا نحن وهم هناك كي تصدقنا، ولما كان منهم التفريط قبل ذلك في يوسف -عليه السلام-، قال لهم أبوهم: هذا مِن تسويل أنفسكم أيضًا، عسى الله أن يردهم جميعًا، فهو العليم بحالي وما أنا فيه مِن فراق الأحبة، الحكيم في جميع ما يقدره ويفعله، ثم أعرض عنهم وقد ذكره حزنه الجديد بحزنه القديم على يوسف -عليه السلام-، وبكى حتى أشفقوا عليه، فجعلوا ينصحونه بالتوقف عن ذلك حتى لا يهلك، فأعلن لهم يعقوب -عليه السلام- أنه لا يشكو حزنه لأحدٍ، وإنما يشكو إلى ربه، وان الله سيجعل له مخرجًا وفرجًا بعد الشدة، ثم أمرهم أن يرجعوا إلى مصر ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وحذرهم مِن اليأس مِن رحمة الله والفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس مِن روح الله إلا القوم الكافرون.