مؤتمر "جروزني" أم مؤتمر (بوتين - قاديروف) لمنع جهاد المحتل؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ومِن هنا تكمن أهمية مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنها قادت كثيرًا مِن هؤلاء الأشاعرة المعتدلين إلى الرجوع إلى منهج السلف مِن باب أنه استفرغ وسعه في "درء تعارض العقل والنقل"، فإذا درأ التعارض بقي المجال مفتوحًا أمام إعمال ظواهر النصوص، إلا ما دلَّ الدليل الظاهر على لزوم تأويله، كما بينه أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة المدنية وغيرها
أهل الحديث يرون الجهاد مع كل بر وفاجر:
عادة ما يُرمى السلفيون بالتشدد مع المخالِف، وهذا ينشأ إما مِن إدراج بعض أهل البدع، بل غلاة أهل البدع، في السلفية زورًا وبهتانًا؛ كالخوارج وجماعات التكفير، وإما لتعميم بعض الأخطاء الفردية، وإما لأن السلفيين يدافعون عما يعتقدونه أنه منهج الصحابة والتابعين بقوة، وهذا لا يسمى تشددًا، وإنما يختبر التشدد في فقه الخلاف، ودرجة عذر المخالف، وطريقة التعامل معه، وطريقة الجمع بين المصالح والمفاسد.
ومن دقائق العلم السلفي أن علماء السلفية عبْر العصور قد بينوا خطورة البدع والمعاصي، وحذروا منها، وعندما وقع انحراف في نظام الحكم من وجود بدع أو مظالم تعرض العلماء لمسألة الجهاد مع الحاكم المبتدع أو الظالم، ورجحوا الجهاد معه لحفظ الأمة، حتى ولو كان مقصرًا، ثم أدرجوا هذه المسألة مع كونها مسألة عملية في كتب العقيدة؛ ليعلم أنها معلم أصيل مِن معالم منهج أهل السنة والجماعة.
ويشبهها أيضًا المراجعات التي قام بها علماء السلف للموقف مِن الخروج على أئمة الجور، ونهيهم عن هذا حفظًا لانتظام الدولة الإسلامية.
ثم وازن بين المنهج السلفي الذي يرى الجهاد مع كل بر وفاجر، ومِن باب أولى مَن كان صاحب ديانة إلا أنه أخطأ في فهم الدين، وكيف طبق السلفيون هذا، وكيف أفتى وناظر وفصل في وجوب نصرة المماليك على التتار مع أنهم -المماليك- إنما كانوا يعظمون العلماء الاشاعرة، ومع أنه كانوا متورطين في أنواع من المظالم؟
وكذلك الحال بالنسبة للجهاد مع "عماد الدين زنكي" و"نور الدين محمود" ثم "صلاح الدين" -رحمهم الله- مع أن المدرسة النظامية التي تخرجوا منها كانت شديدة التعصب للمنهج الأشعري.
وثمة محك رئيسي يختبر به الفقه والعلم والحلم، وغيرها مِن الخصائص، وهو عندما يتعرض أحد (فرد أو كيان) لامتحان بسبب دينه أو منهجه (كما رأيت في هذا المؤتمر من لهجة تحريضية على السلفيين)، وقد ضرب لنا الإمام "أحمد" والذي يمثِّل أحد أبرز العلامات على طريق المنهج السلفي مثالاً نادرًا في الثبات على الحق، مع ضبط للنفس، وحرص على استقرار الدولة والمجتمع استحق بهما معًا أن يكون إمامًا عظيمًا مِن أئمة أهل السنة والجماعة، حتى صار المنهج ينسب إليه أحيانًا، كما فعل الإمام الأشعري في مقدمة الإبانة، فذكر أنه على طريقة الإمام أحمد -رحمهما الله رحمة واسعة-.
مؤتمر (بوتين - قاديروف) لمنع جهاد المحتل:
عودة إلى السؤال: مَن هي تلك الجماعات، التي دندن المؤتمر على ذمها، ووصفها بالإرهاب؟ وهل يوجد في زماننا جماعات كهذه؟ ومَن هم؟
في الواقع توجد جماعات كثيرة ممن يستحقون هذا الوصف، ومِن أكثرهم خطرًا في زماننا "داعش"، ولكن مع أن المؤتمر الذي اتخذ شكلاً عالميًّا، ودعا ضيوفًا مِن مشارق الأرض ومغاربها؛ إلا أنه بدا في النهاية شديد المحلية حيث كانت في طليعة توصياته إنشاء قناة فضائية شيشانية ترد على المتطرفين، وقد علمت مَن هم المتطرفون الذين حاربهم الجنرال "بوتين" (قبْل أن يصبح رئيسًا)؟ ومَن هم المتطرفون الذين فر "أحمد قاديروف" منهم إلى أحضان روسيا؟ وكيف ولمَ كانوا يقاتلون روسيا؟
إذن فقد كان المؤتمر مؤتمرًا لتدشين قناة فضائية تحارب الماضي الشيشاني، وتحاول أن تمحو مِن الذاكرة الإسلامية عامة "والشيشانية خاصة" صورة مِن صور الجهاد الإسلامي الصحيح.
شر البلية ما يضحك مؤتمر برعاية "بوتين" و"قاديروف" يحارب الإرهاب!
مِن المعهود أن نسمع القادة الإسرائيليين مِن حبهم وحب شعبهم للسلام، ومِن شكواهم المُرة من العرب المتوحشين الإرهابيين غير المحبين للسلامـ يسمع العالم كله تلك الأسطوانة النشاز من باب التسلية أو المجاراة، والجميع يعلم مَن الإرهابي؟ ومَن الذي استمر 70 عامًا يقتل النساء والأطفال والشيوخ؟! ومَن الذي لولا الإرهاب الدموي القاتل ما قامت له دولة أصلاً؟ و مع هذا يصفق العالم لهذا الحديث المكرور مطالبين العرب الإرهابيين أن يتخلوا عن إرهابهم حتى يهنئوا بالسلام مع إسرائيل!
والأمر في روسيا مختلف بعض الشيء، فهم لا يحبون كثرة الكلام، وإنما يعملون في صمت، فيقتلون ويقصفون ويبيدون، وربما اكتفوا بعبارات مقتضبة: "نحن نحارب الإرهابيين".
وكما في سوريا تخرج الطائرات تضرب وتدمر؛ مساجد، مستشفيات، منازل، مخيمات، وتعود وقد سجل إعلام العالم كل شيء، ثم يخرج بيان مقتضب مِن القيادة الروسية؛ كل ما ضرب مِن أهداف كان فيه إرهابيون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
شكرًا لمن صوب، وننتظر الساكت، ونعجب مِن دفاع مَن دافع!
قدَّمنا أن المؤتمر تثور حوله الكثير مِن علامات الاستفهام، فكيف إذن شارك فيه مَن شارك؟!
لا تتعجل فأنت الآن تحكم على واقع رأيته، بينما مَن يوافق على المشاركة في مؤتمر يأخذ قرارًا بناءً على غلبة ظن، وخرص، وتخمين، وبالتالي قد يكون رجا مِن ذهب منه خيرًا.
نعم كثير مِن علامات الاستفهام الدائرة حول المؤتمر كانت ظاهرة مِن قبْل انعقاده ولكن يبقى أن البعض قد لا يكون لديه التصور الكامل عن المسألة، أو يكون قد غلب على ظنه أن يقود سفينة المؤتمر في اتجاه نافع، إلى غير ذلك، ولكن الآن وبعد أن انكشف الغطاء ماذا سيفعل كل مَن شارك في هذا المؤتمر؟
يأتي في مقدمة المواقف المحمودة "بل لعله أن يكون الوحيد" موقف الأزهر وشيخه؛ فلقد كانت كلمة الشيخ "أحمد الطيب" أعدل ما بلغنا مِن كلمات، وعرَّف فيها أهل السنة بأنهم "الأشاعرة - والماتردية - وأهل الحديث"، ثم لما تم حذف "أهل الحديث" مِن توصيات المؤتمر أصدر "الأزهر" عدة بيانات لتوضيح الموقف، فجزاهم الله خيرًا.