مؤتمر "جروزني" أم مؤتمر (بوتين - قاديروف) لمنع جهاد المحتل؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وفي المقابل ذهب البعض وعاد دون أن يبين لنفسه موقفًا واضحًا من ملابسات المؤتمر وتوصياته، في حين دافع بعض المشاركين عن توصيات المؤتمر! وأخص منهم:
(1) الدكتور "حاتم العوني"، حيث كتب على صفحته على الفيس بوك: "لقد حضرت مؤتمر الشيشان عن مفهوم أهل السنة والجماعة، وكنت حريصًا مع غيري على أن يخرج بتقرير يتسع فيه هذا اللقب ولا يضيق، لكن كان التوجه العام في المؤتمر على أن يقتصر على الأشعرية والماتريدية، وقد علقت بهذا الطلب في المؤتمر، وهو الطلب الذي يُدخل فيه المعتدلين من كل المدارس التي تعظم السنة والسلف، وقررت ذلك بتقرير علمي سوف أنشره قريبًا بإذن الله؛ ولذلك نشرت في حسابي في الفيس وتويتر تقريري قبل يوم من البيان الختامي، والذي كان مضمونه أن أهل السنة والجماعة هم عندي في هذا الزمان: كل مَن عظم السنة والصحابة والسلف مِن معتدلي الأشعرية والماتريدية والسلفية والصوفية، ممن لا يكفر مخالفه، ولا يتديّن بسلبه المطلق لشيء من حقوق أخوته الإسلامية (حبًّا وتعاونًا ونصرة) بحجة التضليل أو التكفير.
كنت أتمنى لو أن المؤتمر خرج ببيان أكثر اتساعًا للمخالف، لكني أعلم أن عامة السلفية لن يرضوا حتى لو أدخلوهم معهم؛ لأنهم كانوا وما زالوا يحتكرون هذا اللقب، ويبدعون ويضللون وربما كفّروا مخالفهم. فهم لن يرضوا إلا أن يكونوا هم وحدهم أهل السنة والجماعة.
فلا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود، أن يعيبوا من قابل إقصاءهم بإقصاء وتضليلهم بتضليل، ولكن يحق لمن كان يتسع معتقدُه وتقريره وإنصافُه للجميع أن يكونوا تحت مظلة أهل السنة والجماعة أن يعتب على البيان: أنه قابَل الإقصاء بإقصاء، والتبديع بتبديع" اهـ .
ونلاحظ على هذا التعليق أنه عاتب المؤتمر الذي كان عضوًا فيه عتابًا رفيقًا رقيقًا، ثم بسرعة عاد وأنكر على الطرف الذي لم يفعل شيئًا أصلاً أنهم مارسوا الإقصاء، فقال: "... فلا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود... ". والسلفيون، بدَّعوا ما بدعوا مِن المناهج؛ عملاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، فوجدوا مناهج لم يعرفها السلف يصرِّح أصحابها بذلك، ولكن يزعمون أن ثمة ضرورة ألجأتهم إليها، وحينما يعترض عليهم بضرورة لزوم منهج السلف قالوا: نعم، هو أسلم، ولكننا انتقلنا منه إلى الأعلم والأحكم، فالقول بأنه منهج مبتدع قد لا يزيد على كونه تقريرًا لواقع وإعادة صياغة لاعتراف مِن صاحبه.
ومع هذا فالسلفيون لا سيما مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية يعودون فيفرقون بين النوع والعين؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقولون: إن الأشاعرة أهل سنة في مواجهة الشيعة والمعتزلة، ومِن جهة ثالثة يقولون بالجهاد مع كل بر وفاجر؛ بينما الدولة التي كنت ضيفًا فيها، قامت على (القتال مع الروس) ضد (المتطرفين) فمن الذي يقصي الآخر؟!
ثم إن الدكتور "العوني" لم يبين لنا تلك العقود التي مارس فيها السلفيون الإقصاء أين؟ ومتى كانت؟
وهل أفتوا مثلاً بقتل غيرهم كما فعل المعتزلة مع الإمام أحمد وبعض الأشاعرة مع الإمام ابن تيمية؟
هل منعوا العالم مِن الاستفادة من جهود علماء الفقه والحديث الذين انتحلوا قول الأشاعرة في العقيدة، أو أن الدنيا لم تسمع بجهود هؤلاء العلماء لعقود إلا من خلال نشر السلفيين لعلومهم؟
هل منع السلفيون غيرهم من الوظائف العامة، بل ومن الحق في الحياة أصلاً، كما يمارس ضد أصحاب السمت السلفي في كثير من بلاد المسلمين؟!
قد يُقال إن الدكتور "حاتم العوني" يقصد الواقع السعودي، بينما حاله هو خير رد على ذلك، فهو صاحب منهج خاص في تناول تاريخ الفتنة بين الصحابة، وصاحب منهج خاص في تعريف أهل السنة، وصاحب رؤية نقدية لتاريخ الوهابية يميل فيها إلى إثبات تهم على الدعوة الوهابية، يوجد من صريح كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب براءة منها حتى وإن وقع فيها مَن وقع.
المهم ورغم ذلك فحاله كما نعرف ويعرف هو قبلنا.
فهل هذا هو إقصاء السلفيين الذي استمر لعقود؟!
فيا ليت الدكتور "حاتم" أن يناشد الشيشان (دعك مِن روسيا) أن تمارس شيئًا مِن هذا الإقصاء مع أهل السنة فيها.
(2) الشيخ "الحبيب الجفري" حيث كتب على صفحته على الفيس: "انتقد البعض عدم إدراج معتقد أهل الحديث مع الأشاعرة والماتريدية في بيان مؤتمر "مَن هم أهل السنة؟"، والحقيقة هي أن أهل الحديث في مسألة الصفات كانوا بين مفوّض للمعنى ومؤول له، وهذا هو معتقد الأشاعرة والماتريدية، وشرح ذلك كان أحد أبحاث المؤتمر التي سوف يتم نشرها إن شاء الله.
أما المجسمة والمُشبهة الذين فسروا المتشابه بالمعنى الحسي، فوصفوا الله -سبحانه وتعالى- بالجلوس والانتقال، بل وبالنسيان! والعياذ بالله تعالى مِن ذلك؛ فليس مسلكهم هذا بمسلك أهل الحديث، وإن وقع شذوذ في ذلك من بعض المحدثين فهو استثناء بين جمهور المحدثين، لهذا فليس في التعريف إقصاء لأهل الحديث كما توهم البعض".
ويؤخذ على هذا التعليق أمور:
الأول: لماذا أهل الحديث يكتُفي بذكرهم ضمنًا على حد تأويله: هل لضيق الوقت أو المساحة أو ماذا؟ ولو افترضنا أنه كان مطلوبًا الاختصار، فكان الأولى الاكتفاء بواحد من الأشاعرة والماتريدية لكونهما مدرستين للتأويل، ومذهب أهل الحديث هو التفويض -على حد زعمه-.
ومما يؤكد الإصرار على "حذف" كلمة "أهل الحديث"، وأن الأمر لم يكن عرضًا أن "شيخ الأزهر"، وهو الرمز الأبرز في المؤتمر قد ذكرها مرتين خلال الكلمة الافتتاحية وخلال كلمته أمام المؤتمر؛ فأصبحت حاضرة وماثلة، ويكون ما تم هو "حذف" متعمد لها.
الثاني: أشد أنواع الإقصاء أن يحذف مذهب فلا يحكى أصلاً؛ فضلاً أن يُناقش، وهو ما فعله الشيخ "الجفري"، فالذي يُفهم مِن كلامه أنه لم يوجد مِن السلف مَن أثبت المعنى وفوض في الكيف، والإثبات عنده إما أن يكون تشبيهًا أو تفويضًا.
فإذن لماذا رد أئمة مذهبه على ابن خزيمة، وبالغوا في ذمه؛ فلو كان مفوضًا لما بالغوا في رد كلامه؟ فهل تراهم يعدونه مجسمًا -والعياذ بالله-؟!