شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الذبح لغير الله ...شرح المنة (19)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فنقول ليس في الآية وجه للدِلالة على أن الأموات يعاملون كالحاضرين ، وإنما المعنى : أن أولياء الله عند الله -سبحانه وتعالى- آمنون وفي نعيم ، وهم في حياةٍ برزخية ، فغير صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاضر في قبره ، يسمع من دعاه ويجيب دعاءه ، وإنما يسمع من يسلم ويرد عليه السلام ، لأن هذا هو الذي ورد به الدليل ، وهذا الحضور ـ لو سلمنا به ـ فهو حضور مع الموت ، فقد قال الله سبحانه : (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا) .

فإن قيل : هذه الآية في عُبَّادِ الأوثان .

فنقول: إن عُبَّادَ الأوثان يعتقدون أنها صورٌ للملائكة ، والملائكة قد تكون حاضرة ولكن لا اعتبار لهذا الحضور ، لأن العبرة في المخاطَب بالسؤال أن يكون حاضراً بالأسباب الظاهرة، نشاهده ونَسمَعه ، بخلاف أن نطلب من البعيد والغائب حياً كان أو ميتاً.

فمثلاً لو أن إنساناً يغرق وله شيخ حي غائب عنه فقال : أغثني يا سيدي فلان أو أدركني يا شيخ فلان ، لكان مشركاً بالله شركاً أكبر ، لأن الدعاء هو الطلب على الغيب ، والسؤال على الغيب ، أي يطلب من الغائب.

وذلك بخلاف ما إذا كان المطلوب منه حاضراً ، فمثلاً لو أن إنساناً يغرق فقال : أدركوني ، أغيثوني للحاضرين أو لمن يتوقع حضورهم بالأسباب الظاهرة ، فهذا طلبٌ مباح ، أما دعاء الجن والملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء ، فهذا هو الشرك الذي أنزل الله - عز وجل- فيه هذه الآيات ، لأن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ، ويقولون إنها بنات الله -سبحانه وتعالى- ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.

إذن فالدعاء على الغيب، أو الطلب من الغائب ، شركٌ سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً ، فالأموات وإن كانوا أحياء عند الله - عز وجل- في برزخهم ، إلا أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل أنهم يسمعونه ، فهم يسمعون سلام من يسلم عليهم ، ويسمعون من يسأل الله لهم العافية ويدعو لهم ، وإذا تأملنا في الدعاء للميت ، نجد أن الحي هو الذي يدعو للميت ، ولا يجوز أن يُسأل الميت قضاء الحاجات ولا أن يُدْعَى من دون الله .

والآيات في هذا كثيرة ، لأن هذا هو الشرك الذي وقع فيه عُبَّادُ الأوثان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وفي كل العهود.

2- الذبح لغير الله :

ومن الشرك الذبح لغير الله -تعالى- ، قال الله -تعالى- : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، فإذا كانت الصلاة لغير الله شركاً فالنحر لغير الله شرك أيضاً ، فالذبح تعظيماً عبادة من العبادات ، تَعَبَّدَنَا الله - عز وجل- بها ، فقد قال -تعالى- : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام : 162-163)، (وَنُسُكِي) أي: ذبحي ، على أحد الوجهين، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ الله مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ) .

فمن يذبح لغير الله -سبحانه وتعالى- مُعَظِّماً لهذا الغير، فقد جعل لله -عز وجل- شريكاً في نسكه، واللام في « لغير الله » المقصود بها مُتَقَرِّبًا مُعَظِّماً، وإلا فقد يقول العبد: أنا ذبحتُ للضيف، يقصد لأُكْرِمَ الضيف وأطعمه، أمَّا الذبح الذي هو شرك؛ فهو ما كان بقصد التقرب والتعظيم لغير الله - عز وجل- ، ولذلك فلا بد من اعتبار أمر النية ، فالذبح للقبور والذبح للجن لا يخرج عن العبادة بحال ، كطلب السحرة والكهنة ممن يذهب لهم لعلاج المس الشيطاني مثلا ذَبْحَ بعض الطيور وبعض الحيوانات ، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله لمن مات عليه ولا بد أن تقام الحجة على من يفعلونه ، وذلك بتلاوة الآيات في قوله -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقوله -تعالى- : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2)، ويُبَين لهم معنى النُّسك .

والنحر والذبح باب واحد .

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لَعَنَ الله مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ ) يدل على أن من ذبح لغير الله فهو ملعونٌ عند الله - عز وجل- وذلك لأنه ارتكب أعظم الذنب، وهو الشرك بالله -تعالى-، وقد خلق الله لنا هذه الأشياء، فكيف ننوي التقرب بها لغيره؟

والذبح الشركي لغير الله يشمل أنواعاً منها:

1- ما ذُبِحَ بنية التقرب والتعظيم، كما ذكرنا .

2- ما سُمِّيَ عليه غير اسم الله -عز وجل- ، كمن يقول باسم المسيح أو باسم الصليب، أو باسم الولي الفلاني ونحو ذلك ، فهذا من الذبح لغير الله.

3- ما ذُبِحَ على النُّصب: كأن يأتي إلى النصب المنصوبة للذبح للأصنام عندها فيذبح عندها، فإذا أتى مثلاً إلى قدمي صنم يعبده المشركون أو عند صليب مشهور مثلاً يذبح عنده النصارى، فيأتي فيذبح عنده، فهذا ممن يَذْبَحُ لغير الله.

مسألة: لو أنّه ذكر اسم الله -عز وجل- على الذبيحة، لكنه ينوي بها التقرب إلى الجن وتعظيم الجن أو تعظيم الصالحين أو الأولياء، أو أنّه كان ناذراً لهم ذلك، كمن قال: يا سيدي فلان لو شُفِيَ مريضي فلك كذا من الغنم ونحو هذا، فهذا بلا شك قاصدٌ لتعظيم هذا الشيخ، معتقدٌ أنّه هو الذي قضى له حاجته، فهو من أجل هذا يكون ممن ذبح لغير الله، وتكون الذبيحة مما أُهِلَّ به لغير الله.

وهذا الفعل - كما قلنا - شرك، فإذا كان هذا الذابح قبل ذلك مسلماً، صار بهذا الفعل مرتداً، وبالتالي فالذبيحة لا تحل على أي حالٍ من الأحوال، ولو كان مشركاً قبل ذلك، فهو بذلك الفعل يزداد شركاً ـ فلا تحل ذبيحته، حتى ولو كان كتابياً « من أهل الكتاب »، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، والخلاف في ذلك ضعيف جداً لمخالفته النصوص .

3- النذر لغير الله والحلف بغير الله:

ومن الشرك النذر للقبور والصالحين وكذلك الجن، والدليل على أن النذر عبادة من العبادات قول الله - عز وجل- : (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (البقرة:270)، فهذا دليلٌ على أن النذر عبادة وصرفها لغير الله يكون شركاً.

الصفحة السابقة الصفحة التالية