الذبح لغير الله ...شرح المنة (19)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فهل النذر كالحلف؟ النذر لغير الله دائماً يرتبط باعتقاد ، ولذلك فهو ليس مما يجري على الألسنة ، بخلاف الحلف بغير الله الذي يقع من كثير من الناس بغير اعتقاد بسبب كثرة جريانه على الألسنة ، كقول الناس : والنبي ، أو شرف أبي ، ونحو ذلك مما تعود الناس أن يحلفوا به ، من غير قصد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله -سبحانه وتعالى-.
وإن كان النذر والحلف في الأصل من بابٍ واحد ، لكن الحلف بغير الله غالباً ما يكون بغير القصد الذي ذكرنا ، وبالتالي فهو شركٌ أصغر ، أمّا لو حلف بغير الله مُعَظِّماً له كتعظيم الله أو أشد ، فهذا من الشرك الأكبر ، ومثال ذلك أن تتوجه اليمين على إنسان ، ويُطلب منه أن يحلف بالولي الفلاني ، أو النبي الفلاني ، لأنهم يعرفون أنه قد يحلف بالله كاذباً ، ولا يحلف بالولي أو النبي الفلاني إلا صادقاً ، فإذا حلف هنا بالمسيح أو النبي أو الولي فهذا من الشرك الأكبر ، وليس مجرد جريان على اللسان ، لأنّه عَظَّمَ النبي أو الولي أشد من تعظيم الله -سبحانه وتعالى- أو حتى تعظيماً مساوياً.
وفي بعض القبائل إذا توجهت اليمين يطلبون من الحالف أن يحلف عند قبر ولي معين عندهم ، وأن يحلف ويقول : « بحق هذا الغالب الطالب » ، فالولي هذا عندهم يغلب من يحلف به كاذباً ، وهو طالبٌ لأنه يطلب حق المظلوم ، فإذا حلف الحالف بالله ، قالوا : لا تحلف بالله ، بل احلف بحق هذا الغالب الطالب أو الشيخ الفلاني ، فهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر ، لأنهم يطلبون الحلف بهذا الولي مُعَظِّمِين له كتعظيم الله أو أشد ، وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه وَيَصْدُق ولا يكذب ، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله -تعالى- » ، وقال أيضاً : « ... ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذباً ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذباً » ، فلا شك أن هذا من الشرك الأكبر أيضاً.
أما النذر فلا يكاد يقع فيه جريان على اللسان من غير قصد قضاء الحاجة من الولي أو من الجن أو نحو ذلك، ولو حدث وجرى على اللسان من غير قصد قضاء الحاجة، كما يقال : « نَذْرٌ عليَّ كذا لأم هاشم أو البدوي أو الدسوقي أو أبي العباس » ، من غير قصد أنهم يقضون له شيئاً لكان حُكمه حُكم الحلف ، ويكون شركاً أصغر ، لكن الذي يقع في هذا المقام أن من ينذرون للأولياء أو الجن ، يعتقدون أنهم يقضون لهم حاجتهم ، فيكافئونهم على قضاء الحوائج بهذا النذر ، ولو كان ذلك على سبيل الوساطة بينهم وبين الله - عز وجل- ، كأن يقول له : « يا شيخ فلان لو شفى الله مريضي فلك كذا وكذا » فالشيخ ـ إذن ـ هو الذي توسط ، وقضى له حاجته ، فهو يكافئه على هذه الوساطة وقضاء الحاجة ، فطالما صرف له العبادة ، واعتقد أن له منزلة عند الله تجعله يدبر الأمور فهذا من الشرك الأكبر .
وكما سبق أنّه : إن اعتقد أن جاه فلان معناه أن الله -سبحانه وتعالى- يجعل له تدبير الأمور والكون فهذا من الشرك في الربوبية .
فالفرق بين الحلف والنذر : أن النذر لغير الله الأغلب فيه أنه شركٌ أكبر ، أما الحلف بغير الله فالأغلب فيه أنه شرك أصغر ، وهما من باب واحد ، لكن الغالب في الذي يقع أن الحلف بغير الله يمكن أن يكون جرياناً على اللسان من غير قصد تعظيم المحلوف به ، وأما الغالب الذي يقع في النذر أن يكون فيه قصد تعظيم المنذور له واعتقاد أنه يملك قضاء الحاجات .
حكم الحلف بالمصحف :
لو قصد الحلف بالقرآن : فهو حلفٌ بصفةٍ من صفات الله -تعالى- ، فالقرآن كلام الله ، والحلف بالله أو بأسمائه وصفاته « ومن ضمن صفاته كلامه » هو حَلِفٌ مشروع ، فيجوز الحلف بالله أو بكتاب الله أو بكلام الله أو بالقرآن أو بعِزة الله أو بعظمة الله ، أو بحياة الله فكل هذا حلف بالله - عز وجل- وبصفاته .
لكن لو قصد الحلف بأوراق المصحف فلا يجوز لأنه حلف بغير الله ، إذ الأوراق مخلوقة بلا نزاع.
4- نسبة علم مفاتيح الغيب وتصريف الكون لغير الله: وهذا النوع في الحقيقة تابع للشرك في الأسماء والصفات ، وذكرناه هنا لانتشاره ، ولأنه مقدمة للشرك الأكبر في الألوهية ، وهو نسبة علم الغيب للأنبياء أو الأولياء أو الكهان أو العرافين أو المنجِّمين ، واعتقاد أنهم يصرفون الكون ، فهذا شركٌ في الربوبية والأسماء والصفات ، فنسبة علم مفاتيح الغيب للأنبياء والأولياء شرك في الصفات ، فإنه يعتقد لهم علم الله ، فقد قال الله -تعالى- : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59)، فمن اعتقد أن غير الله يعلم علم مفاتيح الغيب ، فقد جعل لله نداً في الأسماء والصفات ، وذلك مقدمةٌ لصرف العبادة لغير الله ، فهم يعتقدون أن الولي الفلاني أو النبي الفلاني يسمع كل شيء وهو غائب ، ويعلم كل شيء ، وعندهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم علم الساعة ، والله عزَّ وجلَّ قال : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34)
، فمن ادَّعى لمخلوق علم الساعة فقد كَذَّب بالقرآن ، ومن اعتقد أن مع الله - عز وجل- مَنْ يُصَرِّفُون الكون ، فقد أشرك في الربوبية ، وقد جعل لله أنداداً في الأسماء والصفات والربوبية ، فهذا شركٌ في الربوبية ، فإذا أُضِيفَ إليه اللجوء إليهم ودعاؤهم ليضروا أو ينفعوا ، فقد زاد فيه شركاً في الألوهية ، كمن يأتي السحرة والكهنة ليسحروا له ، أو يُخبروه عن مستقبله ، وقد قال -تعالى-: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة: من الآية102)، وهذا دليلٌ على أن السحر الذي يُتَعَلَّم من الشياطين كفرٌ .
أكثر الناس إنما يعبدون الملائكة والرسل والأولياء ظناً منهم أن ذلك يقربهم إلى الله عز وجل.
