شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الذبح لغير الله ...شرح المنة (19)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

يصرفون العبادة لغير الله ويسمونه توسلاً، وشتان بين هذا التوسل الشركي وبين ما يجوز من التوسل الشرعي فتنبه .

رواه البخاري (4920) .

رواه الترمذي (3095) وحسنه الألباني .

فقد ورد الخطاب لهم بذلك ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَتَى المَقْبُرَةَ ، فَقَالَ : (السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ) .

إن من أهل العلم من قال بسماع الأموات، ولكن هذا لا يجيز ولا يبيح دعاءه من دون الله؛ لأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله ، وهؤلاء الأموات لا يملكون ضراً ولا نفعًا ، راجع « التعليقات السنية » للمؤلف.

رواه مسلم (3657 ، 3658 ، 3659) ، والنسائي (4346) ، وأحمد (831، 908 ، 1238 ، 1779 ، 2677 ، 2763) وفي مواضع أخرى من المسند.

بعض العلماء المتأخرين قالوا: ما يُذبح للسلطان عند قدومه فهو مما أُهِلَ به لغير الله ، والصحيح أنّه يُنْظَرُ لدِلالة الحال: هل يذبحه إراقةً للدم أمام السلطان ؟ أم يذبح له لكي يُكْرِمَه ويُطْعِمَه؟ فهذا هو الفرق المهم جداً ، كما يقع في بعض مجالس الأعراب أنه إذا أتاهم ضيف فلابد أن يذبحوا ، فهل المقصود بهذا إكرام الضيف بشيء يُذْبَحُ له ؟ أم تقرباً له وتعظيماً ؟ فهذا فرق مهم لابد من التبيين فيه حتى لا يحدث فيه خَلْطٌ ، فإن كثيراً من الناس إذا أتى له ضيف فلابد أن يذبح له ، ولو أتى بلحم آخر دون أن يذبح لكان تقصيراً في حق الضيف ، أما إذا كان من باب التعظيم له والتقرب بإراقة الدماء فهذه هي العبادة .

لأن السنة في الإبل النحر قياماً مقيدة اليد اليسرى ، تقوم على ثلاثة قوائم ويطعن في اللَّبّة بسكين قصير أو حربة ونحوها ، واللبة موضع النحر في أصل الرقبة وأما الذبح فهو للبقر والغنم وهى مُضْجَعَةٌ.

سبق تخريجه صـ 117.

بعض العلماء يقولون في ذبائح أهل الكتاب: « كُلْ منها ولو قال باسم المسيح ، أو باسم الصليب » ، وهذا خلافُ نَصِّ كتاب الله -تعالى- ، وخلافُ سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الواضحة النص ، ولذلك فهذا قولٌ ضعيف ، وخلافه غير مُعْتَبَر ، وحجتهم أن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب وهو -تعالى- يعلم أنهم يذبحون لغير الله.

والرد على ذلك: أن الله تعالى أحلَّ لنا ذبائحهم التي أحلَّها لهم ، ولم يُحِلُّ لنا ذبائحهم التي حرَّمها عليهم ، وقد حرَّم الله -تعالى- في كل الشرائع عبادةَ غير الله ، والشرك لم يُحِلَّه الله -تعالى- أبداً ، والذبح لغير الله -تعالى- شرك ، وما أباح الله -تعالى- لهم الخنزير ، وهو يعلم أنهم يستحلون الخنزير ، فهل دخل الخنزير في عموم قوله تعالى : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (المائدة: الآية5)، بالقطع لم يدخل ، فدلَّ ذلك على أن طعام الذين أوتوا الكتاب الذي أحلَّه الله لهم في شرعهم الذي أنزله الله حِلٌّ لنا ، وقد قال -تعالى- : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) (الحج: من الآية34) ، فكل الأمم شرع الله لها أن تذكر اسم الله -تعالى- على الذبيحة ، لأن هذه الذبيحة نعمةٌ من الله -تعالى- وإنما أذن الله لنا في إزهاق هذه الروح لمنفعتنا ، فإذا لم نستأذن الربَّ ولم نذبح على ما أمرنا -تعالى- فقد أُزْهِقَتْ هذه الروح بغير إذنٍ منه -تعالى- ، وبالتالي فهي ميتةٌ ، والنصارى وغيرهم يستحلون الميتة ، ولا يرون لزوم الذبح ، فهل هذا ضمن قوله -تعالى-: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (المائدة: من الآية5)، وقد حرَّم الله -تعالى- أَكْلَ الميتة على اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ، فاليهود والنصارى مُتَعَبَّدُون بالذبح والتسمية ومُتَعَبَّدُون بتحريم الميتة، وأنه لا تَحِلُّ الميتة والمُنْخَنِقَة ، ومعلومٌ أن النصارى يعتقدون لزوم حكم التوراة لهم ، والتوراة واضحةٌ جداً في التشديد في التزام شروط الذبح والتسمية ولزومهما ، ولكنهم لا يلتزمون هذه الشروط في الذبح ، واليهود هم الملتزمون بذلك ، ولذلك لو أن إنساناً في بلاد أوروبا أو أمريكا ، ويريد أن يأكل طعاماً مذبوحاً فإنه يأكل طعام اليهود.

فالميتة والمُسَمَّى غير اسم الله عليه أو الذي أُهِلَّ به لغير الله لا يدخل في عموم قوله -تعالى-: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (المائدة: من الآية5) ، فالذي يحل من طعامهم هو ما أحلَّه الله لنا ولهم.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأصل في ذبائحهم الحِل وأن الأصل أنهم يذبحون وأنهم يسمون ، فنحمل ذبائحهم على الأصل فيها ، والبعض يقول : « هم أهل كتاب فلا نسأل عن ذلك ».

لكن الكلام هنا في هذه المسألة فيما إذا عرفنا أنهم ذكروا غير اسم الله ، أو عرفنا أنهم لم يذبحوا ، وأنها ميتة ، فهذا نقول فيه : الخلاف فيه غير سائغ ، أما إذا لم نعلم فهذا هو الذي فيه الخلاف السائغ ، ونرى أنّه لا يجوز الأكل من هذه اللحوم المستوردة إلا إذا علمنا أن الذبح قد تم على ما شرع الله -تعالى- لأن الأصل في الذبائح الحرمة ، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلا تَأْكُلْ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية