شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الهجوم على التراث... وتمكين الإرهاب مِن عقول الشباب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ما هي النتائج المتوقع حدوثها مِن وراء هذه الإجراءات؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج منا أن نعرف مَن هو الإرهابي؟ وكيف يتكون؟

سنجد أن الإرهابي في الغالب لديه عاطفة دينية مع جهل بالدين، يجعله لا يميز بيْن الكافر الحربي وبين المُعاهد، ويجعله لا يفرِّق بيْن ردة المسلم عن الإسلام وبيْن المعصية، وتجعله لا يفرق بيْن القتال في ساحات الجهاد المنضبط شرعًا وبيْن قتل المستأمنين أو الغدر أو نقض العهد أو الاحتراب الداخلي.

وعمومًا؛ الإرهاب ينشأ مِن عاطفةٍ دينية، مع جهل بالخطوط الفاصلة بيْن تلك المعاني المتداخلة.

ويبقى السؤال: هل هناك أمل في إنقاذ أمثال هؤلاء؟

والجواب: أما الذين اعتنقوا بالفعل هذا الفكر؛ فلنا في الخليفة الراشد عَلِيّ بن أبي طالب وابن عباس -رضي الله عنهم- أسوة حسنة في هذا؛ حيث أرسل عَلِيٌّ -رضي الله عنه- ابن عباس -رضي الله عنهما- إلى الخوارج فَنَاظَرَهُم، وعاد ومعه الثلثان وبقي الثلث، وهذا الثلث هو الذي كَلَّف الدولة الإسلامية حينها الكثير مِن الوقت والجهد، ولولا فضل الله برجوع الثلثين بعد المراجعة والمناظرة لكان الخطب أفدح والخطر أشد.

هذا مِن جهة العلاج، وأما الوقاية فهي بنقد هذا الفكر قبْل أن يتغلغل إلى عقول وقلوب الشباب، ولكن في كل الأحوال سيفلت البعض؛ ولكن مع تطبيق الوقاية والعلاج سيكون مَن يفلتون أقل ما يمكن.

إذًا العلاج: أن تقنع هذا الشباب -الذي توهم أن الدِّين يأمره بهذا الفساد- أن القرآن لا يأمر بهذا، وأن تفسِّر له النصوص القرآنية التي تدعو أهل الكتاب والوثنيين وغيرهم إلى الإسلام، والتي تبيِّن لهم ما كانوا فيه يختلفون.

وفي ذات الوقت تشرح له الآيات والأحاديث التي تبيِّن وجوب الوفاء بالعهد: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وتبيِّن له سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وَفَّى لمُشرِكي قريش بعهدهم، وليهود المدينة بعهدهم حتى كانوا هم مَن غَدَر وأَصَرَّ على الغدر (ربما يكون لدعاة التجديد قول آخر في المسألة يتماشى مع وجهة نظر مستشارة "ترامب"، والتي ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو من غَدَر، وحاشاه -صلى الله عليه وسلم- مِن ذلك)، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن وفادة وفد نصارى نجران؛ هذا على مستوى غير المسلمين.

وفي نطاق التعامل مع المسلمين: نُبَيِّن له أنه ليستْ كل المعاصي كُفرًا، ونُبَيِّنُ له هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع العُصَاة، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقواعده التي تجعل منه أداة لحفظ أمن المجتمع والتناصح بيْن أفراده، وليست بابًا لتنازعه واحترابه.

وهذا كله لن يكون مُقْنِعًا إلا إن كان نابعًا مِن الكتاب والسُنَّة الواردة في كتب الصِّحاح والسُنَن، ومِن خلال كتب أئمة الإسلام العظام كالأئمة الأربعة وغيرهم عبْر العصور.

وهذا الخطاب الموجود في كتب التراث والذي يدرسه "الأزهر" -سواء بذات صورته التراثية أو في قالبٍ جديد مع بحث ما يستجد مِن ضرورات العصر- هو الحق -إن شاء الله-، وهو الذي يمكن أن يعصم الله به نسبة لا بأس بها ممن سلك طريق الإرهاب.

وستبقى نسبةٌ بلغ بها الكِبْر، أو بلغت بها شهوة الانتقام، أو غير ذلك مِن الأسباب، مَبْلَغًا لا يُجدي معها بعده نُصْحٌ، إلا أن يشاء الله فتتغير الأسباب التي تحول بينهم وبيْن قبول النصيحة، ولكن هذا المنهج الوسطي متى نُشِرَ بقوة سيقلل جدًّا مِن انتشار المناهج المتطرفة.

ونظرة واحدة على أماكن انتشار جماعات التكفير في مصر سترى التناسب العكسي بينها وبيْن انتشار الدعوة الإسلامية السلمية.

وكذلك إذا نظرنا إلى خريطة العالم ككل، وما هي أكثر الدول التي تُصَدِّر أفرادًا لـ"داعش"؛ سنجدها الدول الأوروبية التي يوجد فيها مسلمون، ولكن لا توجد فيها حرية دعوة حقيقية؛ فتتصيد "داعش" فرائسها عبْر "الإنترنت"، وكذلك البلاد الإسلامية التي صبغتْ مؤسساتها الدينية الرسمية بصبغة علمانية.

وهذا مما يدفعنا إلى الشق الآخر مِن السؤال: هل يمكن للمناهج التي يُراد "للأزهر" أن يتبناها أن ترد إرهابيًّا واحدًا عن فِكْرِه، أم أنها ستُلقِي بمزيدٍ مِن الزيت على النار، وستقدم للمتطرفين ألفَ دليلٍ ودليلٍ على أن الدين لم يعد له حامٍ غيرُهم، وأن "الأزهر" وكل الجمعيات الدعوية السلمية قد تنكبوا لتراث الأُمَّة وخرجوا عليه؟!

نعم، قد تخرج هذه المناهج إذا طبقها "الأزهر" -وقاه الله مِن كل سوء- خِرِّيجين يرفعون شعار العلمانية، أو يقبلون بادعاء أن الشعب المصري علماني بطبعه، أو يتحسرون على شكل الجامعة الذي كان أفضل قبْل انتشار الحجاب فيها، أو يرهبون الناس في عيد الأضحى مِن ذبح الأضاحي بدلًا مِن الترغيب فيها، أو يجعلون مفتاح الجنة وباب الدخول في الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله" دون قرينتها "شهادة أن محمدًا رسول الله"، أو يدرسون تاريخنا كما لو لم يكن فيه فترة مضيئة إلا أربعين سنة بالكاد، والباقي ظلماتٌ بعضها فوق بعض! (هذه نماذج حقيقية لما يدعو إليه هؤلاء الذين يريدون أن يقودوا ثورة التجديد في الأزهر الآن!).

بالطبع لو كان ما يدعو إليه هؤلاء هو الحق لوَجَب المصير إليه، وتَحَمُّل ما ينتج عنه مِن تَبِعاتٍ، حتى ولو كانت هذه التبعات هي المزيد مِن التطرف والإرهاب؛ ولكن أن يزعم زاعِمٌ أن "الأزهر" -أو غيره ممن يرى هذا الفكر باطِلاً- يجب عليه أن يتحول إليه؛ لمنع الإرهاب والتطرف فهو مِن باب المُغالَطة المُرَكَّبة؛ لجَرِّ "الأزهر" إلى أن يتخلى عن مقاومة آرائهم المنحرفة التي لا تقل تطرفًا عن آراء مَن يدعون إلى القتل، ولا يقل سلوكهم -في إرهاب مخالفيهم فكريًّا- عمن يحملون السلاح، رغم أنهم يدركون تمامًا أنه في حالة تحول "الأزهر" إلى ذلك الفكر؛ لن يزداد الجانب الآخر إلا تطرفًا.

خاتمة:

لعلي تناولتُ في مناسبة أخرى أن النظم الإسلامية سبقتْ كل النظم المُعاصِرة في ضرورة وجود عمل مجتمعي يؤازر عمل الدولة في كل المجالات، ولا يوجد مجالٌ أحوج إلى هذا مِن مجال الدعوة إلى الله "رغم أن كبار المُدافِعين عن هذا التوجه السياسي يأتون عند الدعوة ويطالبون بعكسِه لحاجةٍ في صدورهم!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية