رمضان... فرصة العمر!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
12- التعود على المراقبة لله -تعالى-: فتتحقق الغاية التي خلق الله الناس لأجلها، كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) ، والتي مِن أجلها أيضًا شرع الله الصيام، وكتبه علينا، وعلى كل الأمم مِن قبلنا؛ لأن الصيام له خصيصة في معاونة العبد على تحصيل التقوى، قال الله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، فذكر -سبحانه- حكمته في فرض الصيام، فقال: ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي تتحقق لكم التقوى؛ لأن الصيام مِن أقوى أسبابها.
- ولأجل أن مِنَح الله -عز وجل- ونفحات رمضان عظيمة كثيرة، وأسباب الرحمة والمغفرة فيه عديدة؛ فقد جاء الترهيب الشديد مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن أدرك رمضان فلم يغفر له فيه، فعن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده قال: صَعِدَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرَ فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قال: ( آمِينْ )، ثُمَّ رَقِيَ أخْرَى فَقَالَ: ( آمِينْ )، ثُمّ رَقِي عَتَبَةً ثَالِثَةً فَقَالَ: ( آمِينْ )، ثُمً قَالَ: ( أتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يغفر لَهُ فَأبْعَدَهُ الله، فَقُلْتُ: آمِينْ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَو ْأَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَه اللهُ، فَقُلْتُ: آمِينْ. قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَأبْعَدَهُ الله، قُلْ: آمِينُ، فَقُلْتُ: آمِينْ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وما كان هذا الدعاء مِن سيد الملائكة "جبريل -عليه السلام-"، وسيد الخلق "محمد -صلى الله عليه وسلم-"؛ إلا لخبث مَن فوَّت هذه المغفرة والرحمة فلم يتعرض لها -بل أعرض عنها وزهد فيها!-؛ إذ أن الدواعي المعينة على هذه الرحمة والمغفرة متوافرة، والعوائق عنها منصرفة.
- ومَن خاض البحر ولم يطهَّر، فما الذي سيطهره؟ !
فإن الله -تعالى- مِن رحمته أعان العباد على طاعته ومرضاته في رمضان أعظم إعانة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .
ففتح الله لعباده أبواب السماء والجنة والرحمة ليلجوا إليه مِن أوسع الأبواب، وأغلق أبواب النيران حتى لا ينزعجوا، وصفد لهم الشياطين حتى لا تشوش عليهم، ثم مع ذلك يعتقهم مِن النار بقليلٍ مِن الجهد والعمل ( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) (البقرة:184) ؛ فكيف مع كل ذلك لا يتعرض مَن فيه خير لرحمات الله ونفحاته؟!
وكما أن هناك نفحاتٍ ومنحًا ربانية عظيمة في رمضان؛ فهناك أيضًا عروض إبليسية وشيطانية كثيرة، يسعى مِن خلالها شياطين الإنس والجن إلى صرف الناس عن طريق الله -تعالى-؛ إذ يُعرض على المسلمين في رمضان كمٌ هائل مِن المسلسلات والبرامج والأفلام؛ لصرفهم في كل دقيقة ولحظة مِن لحظات رمضان عن الصلاة والذكر، وتلاوة القرآن.
فعلى الصائم أن يكون منتبهًا لصومه، وأن يصونه عما يشوبه.
لا تَجْعلنْ رمضان شهر فُكاهةٍ تلهيك فيه مِن القـبيــح فنونـه
واعـلم بـأنـك لا تـنـال قـبــوله حتى تكون تصومه وتـصـونه
فليس الصيام هو ترك الطعام والشراب والشهوة، وأن يصوم العبد عن الحلال الطيب ثم هو يقارف المحرمات الأصلية في شرع الله -تعالى-! بل لا بد مِن صوم القلب والجوارح عن المحرمات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) . لماذا؟ لأن قلبه في وادٍ، وجسده في وادٍ آخر؛ قلبه لم يصم لله، ولم يراقِب الله، وإن كان يقف في الصف مع المصلين!
قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً!".
ولقد صدق القائل: "كم مِن صائم مفطر، وكم مِن مفطر صائم!".
- فـ( يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ): فهذا نداء عظيم، ثبت أنه يتكرر كل ليلة وإن لم نسمعه، لكننا نؤمن بخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- القائل: ( فِي رَمَضَانَ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِكْ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .