شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (30) مقتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- في عهد يزيد بن معاوية

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

ولما وصل الحسين -رضي الله عنه- إلى كربلاء أدركته خيل عمر بن سعد ومعه شمر بن ذي الجوشن، والحصين بن تميم (أنساب الأشراف للبلاذري) ، وكان هذا الجيش الذي يقوده عمر بن سعد مكونًا مِن أربعة آلاف مقاتل، ولما وصل الحسين كربلاء أحاطت به الخيل، وبدأ الحسين بن علي -رضي الله عنهما- بالتفاوض مع عمر بن سعد، وبيّن الحسين أنه لم يأتِ إلى الكوفة إلا بطلبٍ مِن أهلها، وأبرز لعمر بن سعد الدليل على ذلك، وأشار إلى حقيبتين كبيرتين تتضمن أسماء المبايعين والداعين للحسين.

وكتب عمر بن سعد لابن زياد بما سمعه مِن الحسين، وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألتُه عما أقدمه، وماذا يطلب؟ فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم"، فلما قرئ على ابن زياد تمثـَّل قول الشاعر:

الآن إذا عـلـقــت مــخـالـبـنـا بــه يرجو النجاة ولات حين مـنـاص!

ثم كتب ابن زياد لعمر بن سعد: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأيْنا رأينَا والسلام. ولما اطلع عمر بن سعد على جواب بن زياد ساءه ما يحمله الجواب مِن تعنت، وعرف أن ابن زياد لا يريد السلامة (تاريخ الرسل والملوك للطبري) .

ورفض الحسين هذا العرض، ثم لما رأى جهامة الموقف وخطورته طلب مِن عمر بن سعد مقابلته، وعرض على عمر بن سعد عرضًا آخر يتمثـّل في إجابته واحدة مِن ثلاث نقاط:

أ- أن يتركوه فيرجع مِن حيث أتى.

ب- وإما أن يتركوه ليذهب إلى الشام، فيضع يده في يد يزيد بن معاوية.

جـ- وإما أن يسيّروه إلى أي ثغرٍ مِن ثغور المسلمين، فيكون واحدًا منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم (تاريخ الرسل والملوك) .

وقد أكَّد الحسين -رضي الله عنه- موافقته للذهاب إلى يزيد، وكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بكتابٍ أظهر فيه أن هذا الموقف المتأزم قد حُلّ، وأن السلام قد أوشك، وما على ابن زياد إلا الموافقة، وبالفعل فقد أوشك ابن زياد أن يوافق ويرسله إلى يزيد؛ لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالسًا في المجلس حين وصول الرسالة، فقد اعترض على رأي ابن زياد في أن يرسله إلى يزيد، وبيَّن لابن زياد أن الأمر الصائب هو أن يطلب مِن الحسين أن ينزل على حكمه -أي ابن زياد- حتى يكون هو صاحب الأمر المتحكم فيه.

فلما وصل الخبر إلى الحسين -رضي الله عنه- رفض الطلب، وقال: "لا والله، لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبدًا!"، وقال لأصحابه الذين معه: "أنتم في حلٍّ مِن طاعتي"، ولكنهم أصرّوا على مصاحبته، والمقاتلة معه حتى الشهادة. (تاريخ الرسل والملوك) .

واتخذ ابن زياد إجراءً احترازيًّا حين خرج إلى النخيلة -النخيلة: تصغير نخلة، وهي موضع قرب الكوفة-، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، وضبط الجسر، ولم يترك أحدًا يجوزه، وخاصة أنه علم أن بعض الأشخاص مِن الكوفة بدأوا يتسللون مِن الكوفة إلى الحسين (الطبقات لابن سعد) ، وانضم الحر بن يزيد إلى الحسين ليكفر عن فعله، فهو الذي منع الحسين مِن الرجوع إلى المدينة، وانضم إليه أيضًا ثلاثون رجلًا مِن جيش عمر بن سعد.

وفي صباح يوم الجمعة مِن شهر المحرم عام 61 هـ-680م نظـَّم الحسين -رضي الله عنه- أصحابه، وعزم على القتال، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا، وأربعون راجلًا،، وجعل البيوت وراء ظهورهم، وأمر الحسين -رضي الله عنه- بحطبٍ وقصبٍ؛ فجعله من وراء البيوت، وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوهم مِن خلفهم، وأما عمر بن سعد فقد نظم جيشه، وكان هذا الجيش الذي يقوده عمر بن سعد مكونًا مِن أربعة آلاف مقاتل، وبدأت المعركة سريعة وكانت مبارزة في بداية الأمر، وكانت المقاومة شديدة مِن قِبَل أصحاب الحسين -رضي الله عنه-، حيث إن مقاتلتهم اتسمت بالفدائية فلم يعد لهم أمل في الحياة (تاريخ الرسل والملوك) .

وكان الحسين -رضي الله عنه- في البداية لم يشترك في القتال، وكان أصحابه يدافعون عنه، ولما قٌتل أصحابه لم يجرؤ أحد على قتله، وكان جيش عمر بن سعد يتدافعون ويخشى كل فرد أن يبوء بقتله، وتمنوا أن يستسلم، ولكن الحسين -رضي الله عنه- لم يبدِ شيئًا مِن الليونة، بل كان -رضي الله عنه- يقاتلهم بشجاعةٍ نادرة؛ عندئذٍ خشي شمر بن ذي الجوشن مِن انفلات زمام الأمور؛ فصاح بالجند وأمرهم بقتله، فحملوا عليه، وضربه زرعة بن شريك التميمي ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه، ويُقال: إن الذي قتله عمرو بن بطار التغلبي، وزيد بن رٌقاد الجنبي، ويقال: إن المتولي للإجهاز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبي، وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي (1) ، ولا تعارض بيْن الروايات؛ فهؤلاء جميعًا اشتركوا في قتل الحسين -رضي الله عنه- (الشيباني، مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية) ، ولكن الثابت: أن سنان بن أنس هو مَن قتله (المعجم الكبير للطبراني) .

وكان قتله -رضي الله عنه- في محرم، في العاشر منه، سنة إحدى وستين، وقٌتل مع الحسين -رضي الله عنه- اثنان وسبعون رجلًا، وقتل مِن أصحاب عمر ثمان وثمانون رجلًا، وكان الذين قتلوا مع الحسين -رضي الله عنه- مِن آل أبي طالب، سبعة عشر شابًا، منهم خمسة مِن إخوته، وقٌتل مِن أولاده عبد الله وعلي الأكبر (2) (تاريخ الخلفاء للسيوطي) ، وبعد انتهاء المعركة أمر عمر بن سعد بأن لا يدخل أحد على نساء الحسين وصبيانه، وأن لا يتعرض لهم أحدٌ بسوءٍ (الطبقات لابن سعد) .

وأرسل عمر بن سعد برأس الحسين ونسائه، ومَن كان معه الصبيان إلى ابن زياد، ولما وصل نساء الحسين وصبيانه أمر لهم بمنزلٍ في مكان معتزل فأجرى عليهم الرزق، وأمر لهن بالكسوة والنفقة (أنساب الأشراف للبلاذري) .

وهناك روايات كثيرة تتحدث عن صفة مقتله وتأثر الكون كله بمقتله -رضي الله عنه-، وعن الذلة والمهانة التي تعرض لها أهله ونساؤه بعد مقتله، وهذا كله كذب وباطل لم يثبت (3) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية