الذكرى المئوية لــ"وعد بلفور!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وفي المقابل: رأت بريطانيا أن اليهود وحركتهم الصهيونية يمكن أن يكونوا الحليف الأضمن لهم في المنطقة العربية مِن العرب إذا أقامت لهم دولة يهودية في فلسطين؛ إذ أنها سترعى "مصلحة بريطانيا" في المنطقة خاصة في قناة السويس، كما كان يزين لهم زعماء الحركة الصهيونية؛ فالدولة اليهودية في المنطقة وُجدت لتكون عميلًا مزدوجًا يحقق أطماع اليهود في فلسطين، ويخدم مصالح بريطانيا والغرب في المنطقة العربية.
فهذا "هرتزل" يقول في كتابه (الدولة اليهودية): "بالنسبة لأوروبا سنقيم هناك -أي في فلسطين- جزءًا مِن السور المضاد لآسيا، وسنكون حراس الحضارة المتقدمي الموقع ضد البربرية".
ومِن بعده يكتب "حاييم وايزمان" في رسالة له عام 1914م: "إذا كان لفلسطين أن تقع ضمن منطقة النفوذ البريطاني، وإذا شجعت بريطانيا على إقامة مستعمرة يهودية فيها تابعة للتاج البريطاني، فيمكن أن يصبح هناك في فلسطين مِن الآن إلى 20 أو 30 عامًا مليون يهودي أو أكثر سوف يشكلون قوة حراسة فعالة لقناة السويس".
وفي جلسة يوم "3-9- 1917م" تم عرض مشروع قرار "وعد بلفور" على الحكومة البريطانية، ولم يتم إقراره في هذه الجلسة، ولكن بعد فترة مِن التشاور وضع فيها "لويد جورج" رئيس الحكومة و"أرثر بلفور" وزير خارجيته كل ثقلهما لإصدار القرار، تمت الموافقة في جلسة "31- 10-1917م" على صيغةٍ أخيرة للقرار لإعلانه، وتكليف وزير الخارجية "بلفور" بالإعلان عنه بالشكل الملائم.
وبعد يومين "أي في 2-11-1917م" وجَّه "بلفور" رسالة موجهة إلى اللورد اليهودي الصهيوني البريطاني "روتشيلد" صاحب المكانة المعروفة بيْن يهود بريطانيا ويهود الغرب، جاء في ترجمة نصها:
"عزيزي اللورد روتشيلد:
يسرني أن أوجِّه إليك مِن قِبَل حكومة صاحب الجلالة الإعلان التالي الذي يعبِّر عن تعاطف الحكومة مع الأماني الصهيونية، وقد وافق عليه المجلس الوزاري بعد عرضه عليه: (إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطنٍ قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهودها لبلوغ هذه الغاية، مع العلم الواضح أنه لن يتم الإقدام على أي عملٍ مِن شأنه أن يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والوضع السياسي التي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.
أرجو منك مع الامتنان أن تبلغ هذا الإعلان إلى الاتحاد الصهيوني.
أرثر جيمس بلفور)".
ولا شك أن صدور هذا الوعد الغريب في هذا الوقت وبهذه الكيفية مما يبعث الكثير مِن التعجب والتساؤل، وتزداد غرابة الأمر بإصرار بريطانيا بعد ذلك على تنفيذ هذا الوعد مع أنه مِن الناحية القانونية مجرد عرض نوايا مِن الحكومة البريطانية، ليس له أي قيمة قانونية، بل هو باطل مِن الناحية القانونية حيث إن فلسطين عند صدور الإعلان لم تكن تحت النفوذ البريطاني بعد، ويسكنها نحو 700 ألف فلسطيني، منهم 70 ألف مِن النصارى العرب، ومنهم 50 ألف يهودي أغلبهم مِن اليهود العرب واليهود الشرقيين، إذ لم يكن يهود أوروبا قد تحمسوا بعد للهجرة إلى فلسطين، وباقي السكان وعددهم 580 ألف كانوا مِن المسلمين العرب، الذين هم أصل البلاد وممتلكوها، الذين عاش آباؤهم وأجدادهم فيها مِن قرونٍ طويلة بلا انقطاع!
يقول (روجيه جارودي) في كتابه (ملف إسرائيل ص122): "ويجدر بنا أن نتذكر سرًّا هامًّا وهو أنه عندما تم تصريح بلفور لم يكن اليهود يملكون مِن الأرض غير 2.5 %، وعندما صدر قرار التقسيم -يعني في عام 1947م- كان لديهم 6.5 %!".
بينما كان اليهود عند صدور "وعد بلفور" جماعات متفرقة في شتى بقاع الأرض.
أي أعطت بريطانيا أرض الشعب الفلسطيني التي لا تملكها إلى مَن لا يستحقها بلا وجه حق؛ خدمة لمصالحها، ومصالح الحركة الصهيونية، التي لم تكن لها شأن كبير في ذلك الوقت، أي قايضت بريطانيا أرض فلسطين في مقابلة رعاية اليهود بعد إقامة دولتهم فيها لمصالح بريطانيا في المنطقة العربية، وفي قناة السويس، فكان كما قيل" "أعطتْ ما لا تملك لمَن لا يستحق!".
وساعدتها في ذلك فرنسا بتنفيذ (اتفاقية سايكس بيكو)، ثم فرنسا والدول الاستعمارية الكبرى بفرض نظام الانتداب على الشعوب العربية التي خرجتْ مِن النفوذ التركي -ومنها الانتداب البريطاني على فلسطين- ليكون صورة مغلفة مِن الاحتلال الأوروبي لها، ثم إدخال "وعد بلفور" في صلب وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين في عصبة الأمم لتمكين اليهود مِن الهجرة الجماعية إلى فلسطين واتخاذها وطنًا لهم!
وتدل صياغة "وعد بلفور" على أنها كتبت بعنايةٍ ودقةٍ لتمكين اليهود الصهاينة مِن أرض فلسطين، وهذا واضح مِن تتبع عباراتها؛ إذ لكل منها مغزى متعمد، وغاية ترمي إلى تحقيق هدف بريطانيا دون إثارة العقبات في طريق هذا الهدف مِن بدايته، وهذا يلاحظه كل مَن يقرأ هذه الصياغة بتأنٍ، ويربط ما قرأه بما قامتْ به بريطانيا بعد ذلك لتنفيذها وعدها.
فمِن ذلك:
- لماذا وجّهت الرسالة إلى اللورد "روتشيلد" ولم توجَّه إلى المنظمة الصهيونية العالمية أو إلى "حاييم وايزمان" الذي لعب دورًا بارزًا في صدور هذا الوعد؟!
والجواب: أنه لم يكن ممكنًا أن يتخذ "وعد بلفور" شكلًا آخر؛ فهو لا يمكن أن يتخذ شكل المعاهدة أو الاتفاق الدبلوماسي؛ لأنه مِن جهةٍ لم تكن فلسطين وقتها تحت الحكم البريطاني، بل كانت لا تزال ضمن نفوذ السلطة العثمانية، فلم يكن بإمكان بريطانيا صياغة معاهدة أو اتفاق دبلوماسي حول أرض لا سلطة لها عليها.
ومِن جهةٍ أخرى: فإن كل معاهدة أو اتفاق رسمي يكون بيْن طرفين رسميين؛ فأين الطرف الرسمي الثاني؟!
في هذه الحالة لم يكن بإمكان الحكومة البريطانية التعامل الرسمي مع المنظمة الصهيونية كممثلٍ شرعي ليهود العالم، ما دامت تلك المنظمة لم تكن تمثـِّل وقتها إلا أقلية محدودة مِن اليهود تبنت الفكرة الصهيونية، وما زالت الأكثرية مِن اليهود ضدها؛ إضافة إلى ذلك: كانت المنظمة الصهيونية تدعى الانقسام على نفسها بيْن لجنتها التنفيذية في برلين ثم كوبنهاجن التي كانت على اتصالٍ دائمٍ بالألمان، وبيْن مكتب لندن الملتزم بالرهان على بريطانيا.