الذكرى المئوية لــ"وعد بلفور!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ومِن هنا: ارتدى "وعد بلفور" شكل البيان الموجَّه مِن وزير بريطاني إلى شخص يهودي بريطاني له وزنه بسبب لقبه واسم عائلته ومكانته المعروفة لدى يهود بريطانيا ويهود العالم مِن أجل تقوية مكانة الحركة الصهيونية أمام يهود العالم، أي إخراج الوعد مِن النطاق الصهيوني الضيق وقتها، ومحاولة إعطائه بُعدًا يهوديًّا دوليًّا، فكان اللورد "روتشيلد" الغطاء المناسِب لذلك (راجع تاريخ المسألة الفلسطينية، للأستاذ فيصل أبو خضرا، ص 79- 87) .
- أما لماذا ذكر الوعد: (إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين) ولم يقل: (إقامة دولة) كما دعا "هرتزل"؟! فهذا غموض وتمويه متعمد نحو تحقيق الهدف، فالدولة تعني سيادة على الأرض وحكم وإدارة، وهذا يثير تركيا التي تدخل فلسطين في نفوذها، ويخيف الفلسطينيين العرب، بل يخيف اليهود الذين اندمجوا أو يريدون الاندماج في الأوطان التي يعيشون فيها في أوروبا وأمريكا، ولم يتبنوا بعد الفكر الصهيوني وهم أكثر اليهود وقتها، فكلمة وطن تنفي هذه المحاذير، ويمكن أن تستعمل بأكثر مِن معنى.
- أما وصف اليهود بأنهم (شعب) مع كونهم متفرقين مشتتين، منهم: الروسي، ومنهم: الأوروبي، ومنهم: الأمريكي، ومنهم: العربي اليمني أو المغربي أو المصري؛ لا يجمعهم إلا الانتماء لليهودية! وفي المقابل وصف الفلسطينيين العرب أصحاب الأرض بـ(الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين) ولم يعتبرهم شعبًا! وهم على أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، وتجمعهم روابط عديدة مِن اللغة والدين والتاريخ، والعادات والتقاليد، والقيم الاجتماعية الواحدة، ما لا يوجد عند هؤلاء المراد جمعهم مِن شتات الأرض، ويشير إلى الحقوق المدنية والدينية لهذه الطوائف غير اليهودية، ولا يذكر لهم حقوقًا سياسية؛ فلا حق لهم في إدارة أو سلطة أو تقرير مصير، ويحفظ لهؤلاء اليهود في فلسطين الحقوق السياسية، بل ويحتاط بحفظ الحقوق السياسية لليهود خارج فلسطين!
وعندما طالبتْ فرنسا خلال مباحثات الحلفاء حول الانتداب البريطاني على فلسطين، وإدخال وعد بلفور في وثيقة الانتداب بإضافة عبارة: (الحقوق السياسية) للطوائف غير اليهودية رفضها الطرف البريطاني كلية!
لقد تصرفت الحركة الصهيونية منذ نشأتها على تجاهل وجود الشعب الفلسطيني، وأنه لا وزن له، وهي نظرة استعمارية وافقتها عليها بريطانيا وهي تمد لها يد الدعم؛ لذا قال "بلفور" ذات يوم: "لا نستطيع الأخذ بعين الاعتبار أماني المجتمع القائم -أي المجتمع الفلسطيني!-، فنحن نسعى عن عمدٍ إلى إعادة تركيب مجتمع آخر، وإلى التأسيس في آخر المطاف مِن أجل أكثرية مستقبلية أخرى!".
ويُلاحَظ في "وعد بلفور" أن الحكومة البريطانية تعهدتْ ببذل قصارى جهدها لتسهيل تنفيذ الغاية مِن الوعد، وهي إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وبالفعل لم تقف بريطانيا عند إصدار الوعد، بل بذلتْ كل جهدها لتنفيذه حقـًّا:
- فأدخلت الوعد في وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين في مؤتمر (سان ريمو) في أبريل 1920م، وهو المؤتمر الذي بحث شروط الصلح مع تركيا المنهزمة في الحرب العالمية الأولى، وكيفية تنفيذ معاهدة "فرساي"، وتنسيق المواقف حول ما سيفرض على تركيا والمنطقة العربية.
وفي أغسطس1920م كانت معاهدة (سيفر) التي وقَّعتْ عليها تركيا.
وفي أبريل 1922م وافقت الدول الأوروبية على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني.
وفي عصبة الأمم أدخلت بريطانيا "وعد بلفور" في وثيقة الانتداب في يوليو 1922م؛ لتحقيق المساندة الدولية لهذه الجريمة؛ فأصبحت وثيقة الانتداب تعطي -أو توجب- على بريطانيا إقامة وطن قومي لليهود بصورة علنية رسمية صادرة مِن عصبة الأمم!
- ضغطت إنجلترا على الدول الكبرى -وهي الدول الاستعمارية الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى- والتي تعمل لمصالحها الاستعمارية في المقام الأول دون أي اعتبار للشعوب الضعيفة أو المهزومة التي تقع تحت قبضتها - للموافقة على إدخال "وعد بلفور" في وثيقة الانتداب، فعلتْ ذلك دون مواربةٍ أو حياء! أي فوضت الدول الأوروبية بريطانيا في السعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وقد ذكر "وايزمان" في مذكراته أن اليهودي الأمريكي "بنيامين كوهين" كان يتولى مع سكرتير اللورد "كيرزون" وزير الخارجية البريطاني وقتها وضع وصياغة صك الانتداب والاتفاق على نصوصه، كي تكون متوافقة مع "وعد بلفور"؛ لذا أدرج في مقدمة الصك نص تصريح بلفور، بل جاء في المقدمة كلمة عن الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، والتي تبعث على إعادة إنشاء وطن قومي لهم فيها!
- أقامت على هذا الوعد كل سياستها قرابة ربع قرن مِن الانتداب البريطاني على فلسطين؛ ولهذا جاء في أول بيان لـ(هربرت صموئيل) اليهودي الصهيوني الذي عيَّنته بريطانيا أول رئيس لحكومتها في فلسطين: "إني مأمور مِن جلالة الملك جورج الخامس أن أبلغكم الرسالة الآتية: إن الدول المتحالفة التي نالت الفوز الباهر في هذه الحرب قد أودعت بلادي أمر الوصاية على فلسطين لكي تسهر على مصالحها، وتكفل لبلادكم العمران السلمي الذي كنتم تنشدونه -وهذا هو الهدف الظاهري للانتداب، وباطنه احتلال البلاد والتحكم في مقدراتها-، ولا يخفى عليكم أن الدول المتحالفة قررت اتخاذ التدابير لتضمن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج".
لقد حددت اتفاقية "سايكس - بيكو" والمعاهدات والمؤتمرات التي عقدتها الدول الاستعمارية الكبرى -وفي مقدماتها بريطانيا- مصير الشعوب العربية مِن وقتها وإلى اليوم، بتحويل المنطقة إلى كياناتٍ منفصلة عن بعضها البعض، وحالتْ دون قيام دولة عربية موحدة، بفرض الانتداب مِن الدول الاستعمارية على تلك الكيانات بدلًا مِن الاستقلال، ومهَّدتْ لوطنٍ قومي لليهود في فلسطين.
وحتى وقت ظهور "وعد بلفور" لم يكن أكثر يهود الغرب يوافقون الحركة الصهيونية على إقامة دولة لليهود تجمعهم، بل كان الفكر السائد هو اندماج اليهود في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها في ظل الحريات السائدة في أوروبا وأمريكا، وتناقص العداء للسامية؛ خاصة وأن ملايين اليهود يعيشون مطمئنين في أوروبا الغربية وأمريكا.