شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الذكرى المئوية لــ"وعد بلفور!"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وعندما تركزت جهود الحركة الصهيونية على بريطانيا بقيادة "وايزمان" ومجموعته؛ للحصول على وعدٍ بإقامة دولة لليهود، كان معظم اليهود البريطانيين ضد هذا الاتجاه، وكانوا يخشون حدوث التقاء بيْن أصحاب الدعوة الصهيونية والمناصرين للا(سامية) في أوروبا، على اعتبار إقامة دولة لليهود حل لقضية اضطهاد اليهود خاصة في أوروبا الشرقية.

يقول (كلود مونتيفيور) -وهو مِن أبرز أعضاء الهيئة المشتركة الممثلة لليهود البريطانيين في هذه الفترة-: "نعلم أن الصهيونيين سيصرون على التأكيد بأن اليهود حتى خارج فلسطين ينتمون إلى قوميةٍ خاصةٍ بهم، ونعلم إلى أية درجة يلتقي الصهيونيون واللاساميون".

وقد دعي "مونتيفيور" لحضور مؤتمر باريس للسلام الذي تلا الحرب العالمية الأولى كناطقٍ باسم اليهود الغربيين، فكانت وجهة النظر التي يمثـِّلها أن برنامج اليهود الاندماجيين ينطلق مِن إدراكهم لخطورة المسألة اليهودية في أوروبا الشرقية، ويرون أن الحل الممكن هو الاندماج الكامل لليهود في مختلف بلدانهم مع الاحتفاظ بخصوصيتهم الدينية، كما عليه حال اليهود في أوروبا الغربية وأمريكا، وكانوا متأكدين أن هذا الحل ممكن إذا قدَّمت الدول الليبرالية دعمها المعنوي والدبلوماسي للمقهورين في دول أوروبا الشرقية (راجع المسألة الفلسطينية، ص 48-50) .

ولم يمانِع اليهود الغربيون في إنشاء مقرٍ روحي يهودي في فلسطين يقتصر على النشاطات الدينية، ومع بداية ظهور الحركة الصهيونية في "بال" في سويسرا، كان ينعقد مؤتمر مونتريال في كندا؛ لبيان موقف اليهود في أمريكا الشمالية منها، والذي قرر رفض كل مبادرة لإنشاء دولة يهودية واعتبارها تنطوي على مفهومٍ خاطئ لرسالة الشعب اليهودي" (راجع المسألة الفلسطينية، ص 50) .

- جاء "وعد بلفور" كنقطة تحول هامة في تاريخ الحركة الصهيونية؛ إذ خفتتْ ثم اختفتْ بالتدريج الأصوات التي كانت تعارض الفكرة الصهيونية، وحقق دفعًا ماديًّا ومعنويًّا للحركة الصهيونية واليهود، وقد استشعروا قوة نفوذهم فتقدموا بعد الانتداب البريطاني على فلسطين ببرنامج خاص لتوطين اليهود فيها، يتضمن: الاعتراف لليهود بجنسيةٍ خاصة، وتمتعهم باستقلالٍ ذاتي، وتأسيس شركة ذات امتياز لشراء الأراضي لتوطن اليهود المهاجرين إليها فيها، وبدأت موجات الهجرة اليهودية تتابع على فلسطين.

ذكرتْ د."عواطف عبد الرحمن" حال اليهود في مصر بعد ظهور "وعد بلفور" فقالتْ: "وبعد صدور وعد بلفور 1917م، أصبحت الجمعية الصهيونية بالإسكندرية تتلقى التعليمات مِن المنظمة الصهيونية العالمية مباشرة، ولم يعد دورها مقتصرًا على الأنشطة الدعائية، بل شاركتْ في تسهيل عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد تكونتْ إلى جانب هذه الجمعية لجنة عُرفتْ باسم: (لجنة مساندة فلسطين)، ساهم في تشكيلها كبار الرأسماليين اليهود في الإسكندرية، وكان اختصاصها يدور حول كل ما له علاقة بإنشاء (الوطن القومي اليهودي) في فلسطين. وقد اتسع النشاط الصهيوني بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بدرجةٍ ملحوظة، فتشكلت منظمة الصهيونية الطلائعية، ورابطة نوادي المكابي.

وفي 1918م قام ليون كاسترو بتأسيس أول فرع للمنظمة الصهيونية في مصر، وقد كان هذا الفرع صورة مصغرة للمنظمة الصهيونية مِن حيث النشاط الدعائي والاقتصادي والفكري، وكانت صحيفة (المجلة الصهيونية) التي أصدرها ليون كاسترو في نفس العام لسان حال المنظمة الصهيونية وأداة فعالة لنشر الصهيونية بيْن جماهير اليهود المصريين، كما كان فرع الكيرين كايميت (الصندوق القومي اليهودي) وسيلة أخرى لجمع التبرعات مِن اليهود المصريين لشراء أراضي فلسطين، وكان هذا الفرع المصري على اتصالٍ دائم بالمركز الرئيسي في لندن.

وقد أنشا الفرع المصري عدة فروع إقليمية في الإسكندرية وطنطا والمنصورة، وكانت الجمعية المصرية لأصدقاء الثقافة العبرية وسيلة فعالة لنشر الفكر والثقافة العبرية بيْن أبناء الطائفة؛ إذ كانت تقوم بإيفاد بعثات دورية مِن يهود مصر إلى فلسطين حيث يتلقون دورات دراسية في الفكر الصهيوني ثم يعودون إلى مصر وقد أصبحوا كوادر قادرة على نشر هذا الفكر وترويجه.

ولم يقتصر نشاط فرع المنظمة الصهيونية على الجوانب السابقة السالفة الذكر، بل استطاع ليون كاسترو بقدراته واتصالاته تحويل المحافل اليهودية إلى منابر للدعوة للصهيونية؛ إذ أصبحت هذه المحافل مقرًّا للاجتماعات التي تدعو لتأييد الوطن اليهودي في فلسطين علنًا! وقد انتعشت الدعاية الصهيونية في مصر إبان الحكم الفاشي في إيطاليا وألمانيا في الثلاثينيات.

وتحت ستار مقاومة الفاشية تشكّلت الهيئات اليهودية ذات الولاء الصهيوني، وقامتْ بدورٍ خطير في الترويج للفكر الصهيوني مِن خلال الادعاء بمقاومة الهتلرية، ونجحتْ في اجتذاب واهتمام بعض كبار الكتاب والأدباء المصريين، مثل: طه حسين، ومحمد حسين هيكل، حيث منحا الرابطة تأييدهما وتشجيعهما سواء عن غفلةٍ أو إدراك بحقيقة الدور المزدوج الذي كانت تقوم به رابطة مقاومة الهتلرية التي كوَّنها اليهود في ذلك الحين" (اليهود المصريون والحركة الصهيونية، ص 51 -53) .

- بعد أن نكثتْ بريطانيا بوعدها للشريف حسين، تعلقت الآمال العربية في صيف 1919م بما نادى به الرئيس الأمريكي (ويلسون) مِن حق تقرير المصير للشعوب المحررة أثناء الحرب العالمية الأولى "ومنها البلاد العربية"؛ ولهذا تم إرسال لجنة تحقيق دولية لاستطلاع رأي الأهالي في فلسطين حول مصيرهم، حيث باشرت اللجنة التي عُرفت باسم: لجنة (كنج - كرين) مهامها بعد الوصول إلى حيفا في يونيو 1919م، ولكن اللجنة -رغم ما انطوتْ عليه مِن إيجابيات- لم تسفر عن نتيجة، وزاد الأمر سوءًا أن الرئيس الأمريكي (ويلسون) أقعده عن الحكم مرض مفاجئ، وخسر مرشحه في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فتغيرت السياسة الخارجية الأمريكية، بل لم تنضم أمريكا إلى عصبة الأمم رغم أن أمريكا هي صاحبة اقتراح إنشاء عصبة الأمم، وعليه طوى النسيان تقرير لجنة (كنج - كرين)، واستمرتْ إنجلترا في تنفيذ مخططها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية