تحري اليقظة... تعليقات على مقال: (آنَ أوَانُ اليَقَظَة)
رجب صابر • مع الدعاة
بدعة الفكر القطبي: وهذا ليس بجديدٍ في كلام الشيخ أو مشايخ الدعوة، وأفكارهم هذه ليستْ مِن قبيل خلاف التنوع أو خلاف التضاد السائغ، وفي هذا رد على عبارة لبعض الفضلاء في تعليقه على المقال أنه: "ينكر بوضوح على مَن يظن أنه يحتكر الحق أو يتكلم باسم السلفية أو التيار الإسلامي ويبدع هؤلاء ويخرج أولئك... وقد كنا قبْل إنشاء الأحزاب نقول بخلاف التنوع ونضرب المثل لتكامل التيارات الإسلامية في القيام بفروض الكفايات والخلاف السائغ الذي يسعنا فيه ما وسع السلف، ولا يبدع فيه المخالف، ولا يفسق ولا ينكر فيه على المخالف إلا ببيان الحجة، وخلاف التضاد وما يعذر فيه المخالف وما لا يعذر... فأصبحنا نخرج مِن السلفية كل مَن خالفنا، ونبدع مَن بالأمس نعتبرهم شركاء الطريق وإن اختلفنا معهم!".
فيقال له: ومَن قال إن الشيخ أو الدعوة قد تغير كلامهم في فقه الخلاف وأقسامه، والواجب تجاه كل قسم؛ غاية الأمر أن تعرف أن تكفير عموم المسلمين هي بدعة الخوارج، وأن التوقف في الحكم بالإسلام لمَن شهد الشهادتين ولم يأتِ بما ينقضها أن هذا التوقف بدعة أخرى، وكلام الشيخ -على سبيل المثال- مذكور في كتبه ومحاضراته القديم منها قبْل الحديث، وكذلك كلام غيره مِن المشايخ قبْل أن يخطر ببالنا أن سيأتي يوم مِن الأيام وتنشئ الدعوة حزبًا.
فقد قال الشيخ في كتاب "منة الرحمن" -وهو مِن أكثر كتب الشيخ انتشارًا وأكثرها تداولًا-: "يثبت حكم الإسلام ظاهرًا بالنطق بالشهادتين، كما في حديث أسامة: ( أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟! ) (متفق عليه) ، والإجماع نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم, بل قال: معلوم بالضرورة, وكذا بالولادة لأبوين أحدهما مسلم؛ لحديث: ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ) (متفق عليه) ، ومَن توقف في الحكم بالإسلام لمَن نطق الشهادتين، أو وُلد مسلمًا ولم يُعلم عنه شرك ولا ردة, فهو مبتدع؛ لخلافه إجماع السلف الصالح على ذلك، ولا يُستثنى مِن ذلك إلا مَن يقولها حال كفره؛ فلابد مِن نطقها على البراءة مِن الكفر" (منة الرحمن، ص82-83) .
وقال في بعض حواشي هذه الفقرة: "ومِن هذه البدعة: بدعة تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: مسلمون بلا شبهة، وكفار بلا شبهة، وطبقة متميعة لا ينبغي الانشغال بالحكم عليهم كما قاله بعض المعاصرين، أو أنهم مجهولو الحكم تقليدًا لأصحاب الفكر القطبي".
وقد نقل في كتابه "فقه الخلاف" في الخلاف غير السائغ، ما يبدع فيه المخالف مع الاتفاق على عدم تكفيره: "ومِن هذا النوع إنكار أصل أن الله لا يعذب أحدًا قبْل بلوغ الحجة، وقد نقل عليه الإجماع ابن تيمية وابن حزم، وهذا القول قول جماعات مِن التكفير والتوقف" (فقه الخلاف، ص74) .
ثم قال (ص78): "ضابط الحكم على تجمع معين أنه مِن الفرق الضالة" ثم نقل كلام الشاطبي في الاعتصام: "وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة مِن قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية" إلى قوله: "ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر مِن إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثيرٍ مِن الشريعة بالمعارضة".
10- ومما نبَّه عليه الشيخ: شأن جماعة الإخوان مؤخرًا، فقال: "جماعةُ الإخوان تَغَيَّرَ موقفُها الفكري تَغَيُّرًا كبيرًا بعد "2005م" وسيطرة الفريق القُطْبِيِّ الغالي المبتدع عليها، وشَرب هذا الابتداع عامة أفرادها ومَن انتسب إليها، ومَن تأثر بها ممَن ينتسبون للسلفية: كالسروريين، بل صار شبابُهم أشدّ غُلُوًّا مِن قادتهم، وأكثر مَن ينتسبون للسلفية مِمَّن وَافَقَهم يؤصِّل للغُلُوِّ أخطر منهم... و"الإخوان" -ومَن وَافَقَهُم- أهلُ بدعة؛ فلابد أن يُعامَلوا كذلك؛ فهم مُخالِفُون في أصلٍ كُلِّيٍّ في مسائل الإيمان، بقضية "المجتمع الجاهلي" الذي يعنون أنه "دار كفر" يستبيحون هدمَه وتخريبَه، وإن لم يُكَفِّرُوا جميع أفراده -ومنهم مَن يفعل-، ولكن "الطبقة المُتَمَيِّعة" التي لا يشغلون أنفسهم بالحكم عليها هي عندنا عامة أهل الإسلام! وهذا كله هم يتفقون فيه مع الطوائف التي تنتسب إلى "السرورية" ونحوها".
هذا الكلام مِن الشيخ لفظه مقيد، نعم مقيد تاريخًا ووصفًا؛ هو مقيد تاريخًا بما بعد عام 2005م، فما قبْل هذا التاريخ مخالف، وهذا هو الواقع؛ فالإخوان اتجاهان: اتجاه متأثر بفكر الأستاذ حسن البنا -رحمه الله-، واتجاه آخر متأثر أكثر بفكر الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-، ولا يخفى أن الاتجاه الثاني أخطر فكرًا ومنهجًا.
ومقيد وصفًا بأنهم الإخوان المتأثرون بالاتجاه القطبي، فقد قال -كما سبق-: "جماعةُ الإخوان تَغَيَّرَ موقفُها الفكري تَغَيُّرًا كبيرًا بعد "2005م" وسيطرة الفريق القُطْبِيِّ الغالي المبتدع عليها".
ومَن يرجع إلى كلام الشيخ ومشايخ الدعوة وطلبة العلم فيها يعرف هذا جيدًا، ويكفي أن الشيخ نفسه قد ذكر في حوارٍ منشورٍ على عدة منتديات أن نشأته العلمية والدعوية تأثر فيها بعمه وقد كان مِن الإخوان، ومما قال: "كان عمي يلخص كتابي: سبل السلام، والمغني، حيث كانوا يدرسونهما في المعتقل، والنسخة التي عندي إلى الآن مِن زاد المعاد كانت هدية منه للوالد، وأول مَن دلني على كتاب (معارج القبول) عمي أيضًا، فلذلك كان المنهج فيه قرب كبير أو فيه روافد كثيرة مِن المنهج السلفي، ولم يكن منهج الإخوان في ذلك الوقت به هذا القدر الكبير مِن التميع الحالي.
لقد كان داخل الإخوان توجهات سلفية قوية متأثرة بجهود الشيخ محمد رشيد رضا الذي كان أستاذًا للشيخ حسن البنا، وبجهود الشيخ حامد الفقي، والشيخ محب الدين الخطيب اللذين يعدان مِن قرناء الشيخ البنا -رحمهم الله جميعًا-".
ثم قال: "وكما ذكرتُ كان عمي متأثرا في الحقيقة بالتوجهات السلفية داخلهم، ولم يكن هناك تعصب أو محاولة استقطاب، بل كان الإخوان في ذلك الوقت يمثلون روح التدين العام، والاتجاه الذي يستوعب طاقة الشباب ويلبي احتياجاته ويعايش واقعه ويغيره إلى حد ما".