الذكرى السبعون لحرب فلسطين 1948م
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
مِن جديدٍ استغلت العصابات الصهيونية الهدنة في التوسع، فتقدمت إلى اللد والرملة وبئر سبع، ومنها إلى صحراء النقب، فقرية أم الرشراش المصرية (ميناء إيلات حاليًا)، وبسقوط صحراء النقب انقطع الاتصال بيْن الجيوش العربية، مما مكَّن القوات اليهودية في الالتفاف حول الجيش المصري، ومِن ثَمَّ حصاره في الفالوجا لمدة 130 يومًا مِن أكتوبر 1948م حتى 24-2-1949م، كما قامت القوات اليهودية بطرد مئات الآلاف مِن الفلسطينيين مِن أراضيهم بالقوة، وقامت خلال ذلك بعدة مذابح: منها مذبحة في مدينة اللد يوم 27-7-1948م، قتل فيها 250 فلسطينيًّا غير الجرحى! تلتها مذبحة أخرى قُتل فيها 350 فلسطينيًّا.
وفي 30-10-1948م قامتْ كتيبة يهودية بقيادة (موشى ديان) بمذبحة في قرية (الدواجنة) قُتل فيها 96 فلسطينيًّا، ووقعت مذابح أخرى في نفس اليوم في (عليون)، إلى جانب غيرها مِن المذابح العلنية وغير العلنية، وقد انتهت المناوشات العسكرية بيْن الأطراف المتحاربة في 7 يناير 1949م بعد استيلاء إسرائيل على معظم النقب، وتطويق القوات المصرية المرابطة في الفالوجا، وبدلًا مِن 5و56% مِن أرض فلسطين التي اقترحها قرار التقسيم للدولة اليهودية استولى اليهود مِن خلال حرب فلسطين وتدخل الجيوش العربية على نحو 78% مِن أرض فلسطين! ووصل عدد النازحين مِن فلسطين مع الحرب إلى 726 ألف لاجئٍ فلسطيني بنهاية عام 1948م، ثم أصبح العدد 925 ألف لاجئ فلسطيني على سجلات وكالة (أونروا)!
الهدنة الثالثة:
في 16-9-1948م وضع (الكونت برنادوت) تقريره الذي رفضه اليهود، وقام بعض أعضاء منظمة (شتيرن) الصهيونية باغتياله في القدس في 17-9-1949م، أي في اليوم التالي لتقريره! وقد اعترف اليهود بعد ذلك بسنواتٍ طويلةٍ بقتل (برنادوت).
وقام مجلس الأمن بتعيين وسيطٍ جديدٍ، الأمريكي (بانش) الذي قام بوضع هدنةٍ جديدةٍ بعد خرق اليهود للهدنة الثانية، وصدر قرار في 19-10-1948م بوقف القتال، والدخول في مفاوضات.
مفاوضات جزيرة رودس:
بدأت المفاوضات بيْن الدول العربية التي لها حدود مع إسرائيل -كل على حدة- مِن جانبٍ، وبيْن إسرائيل مِن جانبٍ آخر في جزيرة رودس اليونانية بوساطةٍ مِن الأمم المتحدة، أسفرت عن توقيع أربع اتفاقيات هدنة: فعقدت مصر في 24-2-1949م اتفاقية تقضي بهدنةٍ دائمةٍ مع إسرائيل، مع بقاء الوضع على ما هو عليه، فتكون صحراء النقب ومدينة بئر سبع تحت السيطرة اليهودية، ويكون قطاع غزة تحت الحكم المصري، والسماح بعودة الجنود المصريين بسلاحهم إلى وطنهم.
وفي 23-3-1949م عقدت اتفاقية مماثلة مع لبنان، أعقبتها اتفاقية مع الأردن في أبريل 1949م شاملة أيضًا للمنطقة التي تشغلها القوات العراقية، وإن كانت العراق لم توقع على الاتفاق، تلتها اتفاقية مع سوريا في 20-7-1949م.
أهم أسباب الهزيمة في حرب فلسطين:
1- قبول الجيوش العربية للهدنة الأولى، فتوقف استكمال الانتصارات التي حققتها هذه الجيوش في بداية الحرب، وفي الوقت الذي التزمت فيه الجيوش العربية ببنود الهدنة، وامتنعت فيه عن زيادة قواتها أو تعويض خسائرها، بل فُرض عليها حظر تسليح؛ لم يلتزم اليهود ببنود الهدنة، فانهالت عليهم الأسلحة المتنوعة والذخائر لتعويض ما فقد في الحرب، بما فيها الطائرات، كما تدفقت عليهم أعداد مِن المتطوعين مِن دول أوروبا؛ مما رجح كفة اليهود بصورةٍ ملحوظةٍ بعد استئناف القتال مِن جديدٍ.
كتب الفريق الركن (صالح صائب الجبوري) رئيس أركان الجيش العراقي -بعد أربعة أيام مِن الهدنة الأولى- في تقرير له إلى حكومته يوضح حقيقة الموقف ويكشف أبعاد المناورة التي وراء وقف الهدنة: "إن الموقف مِن الوجهة العسكرية كان في صالح القوات العربية عند إعلان الهدنة التي تمتْ، ولا شك مِن جراء تأثيرات سياسية، وأعتقد بأنه لو بذلت جهود أخرى على الحكومات العربية لكان مِن الإمكان تضييق الخناق على الصهاينة ومراكزهم الحيوية، ولكان في الإمكان أيضًا إنهاء الحركات بعد فترة غير طويلة... وهنا لابد مِن التنويه إلى ناحية مهمة، وهي: أن الصهيونيين إذا أكملوا استحضاراتهم خلال فترة الهدنة، وهذا أمر غير عسير عليهم؛ فلا يُستبعد أن يباغتوا الجيوش العربية كلها أو قسم منها على انفرادٍ بحركةٍ قويةٍ قبْل انقضاء مدة الهدنة أو حال انتهائها مباشرة، خاصة ولدينا المعلومات التي تبين أنهم لم يحترموا شروط الهدنة، وقد عملوا خلافا لتحديداتها".
وكتب أيضًا يقول: "إن كل يوم يمضي مِن أيام الهدنة دون أن ننجز عملًا أو ننهي ما يقتضي لاستئناف القتال أمر في غير صالح الحكومات العربية وقواتها المقاتلة في فلسطين، ولا أريد أن أتطرق إلى العواقب الوخيمة التي ستأتي مِن جراء خسارتنا القتال في الميدان؛ لأن ذلك أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، ولا شك أنه سيجلب وبالًا على البلاد العربية بأكملها لا سمح الله" (راجع في ذلك، تاريخ المسألة الفلسطينية، تأليف: فيصل أبو خضرا، ص180-181) .
2- عدم الاستعداد الجاد للجيوش العربية للمعركة، وفقد التنظيم والتنسيق الجيد فيما بينها، وعدم وجود إستراتيجية واضحة لدى الحكام العرب، وعدم وجود أجهزة عسكرية ومخابراتية قوية.
3- وقوع بعض الحكام العرب تحت الضغوط الغربية وتعاون بعضهم مع الغرب، وقعوا في ذلك نتيجة لأطماعٍ شخصية، أو نتيجة لعدم الإحاطة التامة بأبعاد الاعتبارات العسكرية على أرض المعركة.
لما بدأ ميزان القتال يميل لصالح القوات الصهيونية في أرض المعركة اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية في القاهرة، وتدارسوا الموقف العسكري العام، وحددوا أسباب سوء الموقف في 11 أغسطس 1948م، وقدَّموا توصياتهم إلى اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية التي كانت مجتمعة في ذلك الوقت، وكان مِن أهم هذه التوصيات: "وجوب ترك حرية العمل للعسكريين، وجعل الاعتبارات العسكرية في القتال فوق جميع الاعتبارات، وحصر جهود الحكومات العربية ومساعيها في تأمين احتياجات الجيوش وتلبية مطالبها، وبعبارة أخرى: تعبئة جميع القوى وتسخيره للمجهود الحربي" (المصدر السابق) .