شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب العاشر مِن رمضان 1393هـ (السادس مِن أكتوبر 1973م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

بدأ الطيران المصري يستعيد كثيرًا مِن قدراته القتالية، كما أعادت مصر بناء قواعد صواريخ متقدمة على الجبهة في منتصف 1970م؛ مما عجل بموافقة إسرائيل على مبادرة (روجرز) وزير خارجية أمريكا الثانية بوقف مؤقت لإطلاق النار بعد موافقة مصر عليه، والذي بدأ فعليًّا في ليلة 7/ 8 أغسطس 1970م، مع إعادة المباحثات التي يجريها (يارنج) بيْن الطرفين: العربي والإسرائيلي مِن جديدٍ، والتي ما لبثت الحكومة الإسرائيلية أن انسحبت منها بعد ذلك تحت ضغوطٍ داخليةٍ، متعللـة بتحريك مصر لبطاريات صواريخها في الجبهة إلى الأمام أثناء الهدنة.

السادات يتولى المسئولية:

بتولي "السادات" رئاسة مصر بعد وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970م تم تجديد فترة إيقاف إطلاق النار (مبادرة روجرز) المرة تلو المرة، رغم عدم استجابة إسرائيل لجهود المبعوث الدولي (يارنج)، الذي تقدم بمبادرة للتسوية السلمية للنزاع، وافقت عليها مصر؛ رغبة في حل القضية ورفضتها إسرائيل كالعادة؛ لعدم رغبتها في القيام بأي انسحابٍ مِن الأراضي التي احتلتها في 1967م.

وفي 7 مارس 1971م رفضت مصر مد وقف إطلاق النار، مع الحاجة لتقوية القوات المصرية في مواجهة التفوق الكمي والنوعي العسكري الإسرائيلي، ولم يقدِّم الاتحاد السوفيتي ما يتناسب حجمه مع مطالب مصر مِن السلاح، مع قصر ما يمد به مصر على النواحي الدفاعية، وبما هو دون المستوي المطلوب مِن الناحية التكنولوجية في مواجهة التقدم التكنولوجي لإسرائيل.

وبدا واضحًا خلال عام 1972م اتفاق القوتين الكبيرتين: أمريكا وروسيا على بقاء الموقف في الشرق الأوسط مجمدًا على ما هو عليه، بما اتفق على تسميته بحالة: "اللا سلم، واللا حرب"، وهو ما ظهر جليًّا في البيان الختامي لمؤتمر القمة الأمريكي الروسي في مايو 1972م، والذي لم يشر إلى مشكلة الشرق الأوسط إلا بشكلٍ عابرٍ.

وبات واضحًا أن موقف الاتحاد السوفيتي أصبح مبنيًّا على:

1- الإبقاء على حالة اللا سلم واللا حرب في المنطقة.

2- الاحتفاظ بتوازن القوى في المنطقة بما يحقق ذلك.

3- اعتبار الحل السلمي بيْن الطرفين هو الحل الأمثل لمشكلة الشرق الأوسط، والترويج لذلك.

4- التلويح لمصر بأن الحرب مع إسرائيل أمر صعب للغاية، وأن خسائره المنتظرة في الجانب المصري ستكون مريرة.

ولم يكن مِن السادات إلا أن قرر في يوليو 1972م الاستغناء عن كل الخبراء السوفيت الموجودين في مصر، والاستغناء كذلك عن القوة العسكرية الروسية التي كانت تعمل على بعض معدات الصواريخ المصرية أرض/ جو من مارس 1970م، بما يعني انفراد مصر بقرار الحرب مع إسرائيل وتحمل تبعاته وحدها.

إعصار أكتوبر يفاجئ إسرائيل:

في 6 أكتوبر 1973م قامت القوات المصرية والسورية معًا بهجومهما المفاجئ على إسرائيل في سيناء والجولان؛ مما ترتب عليه هزيمة قاسية لإسرائيل، وهي أول هزيمة حقيقية لها منيت فيها بخسائر فادحةٍ، حيث بلغ القتلى والجرحى في حرب أكتوبر عشرة آلاف إسرائيلي، ولم يخلو بيت مِن بيوت إسرائيل مِن قتيلٍ أو جريح أو مفقود؛ بالإضافة إلى تدمير نحو ألف دبابة ومائتي طائرة، وخسائر مادية بنحو 7 بلايين دولار، وأظهرت الحرب بوضوح عجز الجيش الإسرائيلي عن مواجهة القوات المصرية في سيناء.

وكانت الهزيمة صدمة قوية داخل إسرائيل، ترتب عليها إنهاء (جولدا مائير) -رئيسة وزراء إسرائيل وقتها- لحياتها السياسية، وتوجيه اللوم الشديد رسميًّا للقيادات العسكرية، ولأجهزة المخابرات الإسرائيلية للمسؤولية عن الهزيمة.

سلاح البترول العربي في المعركة:

أظهرت حرب أكتوبر مقدرة العرب على استخدام البترول كسلاحٍ فعالٍ، حيث تم وقف ضخ البترول العربي للدول الغربية تضامنًا مع مصر وسوريا في حربهما؛ مما أثر تأثيرًا بالغًا على الدول الأوروبية، ففي ألمانيا الغربية تعطل العمل في عددٍ مِن أكبر مصانعها، وفي الدنمارك ألغيت مناورات عسكرية كانت مقررة في النصف الثاني مِن ديسمبر 1973م، وفي فرنسا أعلنت شركة (ستروين) إغلاق مصانعهما لمدة أسبوعين؛ مما أدى إلى بقاء 40 ألف عامل بلا عمل خلال هذه الفترة، وامتد أثر نقص الضخ للبترول العربي على أمريكا وأوروبا واليابان طوال شتاء هذا العام.

بدء الحرب:

استعد الجيش المصري استعدادًا جيدًا للحرب مِن خلال التدريبات الشاقة على مدار 6 أعوام، قامت فيها القيادات العسكرية التي تولت المسؤولية في مصر بجهودٍ عظيمةٍ للإعداد للمعركة الحتمية المرتقبة لتحرير سيناء، بدءًا مِن الفريق أول "محمد فوزي" وزير الحربية بعد هزيمة يونيو، إلى الفريق "سعد الدين الشاذلي" رئيس الأركان ومهندس حرب أكتوبر.

أنشأت إسرائيل سلسلة قوية مِن الحصون، وشبكة متكاملة مِن المنشآت الدفاعية على طول الشاطئ الشرقي لقناة السويس بطول 160 كم مِن بور فؤاد شمالًا إلى رأس مسلة على خليج السويس، وبعمق 30- 35 كم شرقًا، بما يغطي مساحة مِن الدفاعات مساحتها نحو 5000 كم مربع، تضم ملاجئ محصنة، وحقول ألغام مضادة للأفراد، ومواقع تجمع للقوات المدرعة، ومواقع للمدفعية، وقواعد صواريخ مضادة للطائرات، ومدفعية مضادة للطائرات، و240 موقعًا للمدفعية بعيدة ومتوسطة المدى؛ بالإضافة إلى بناء شبكة طرق كبيرة بطول 750 كم، ومد خطوط أنابيب للمياه، وقد أطلق على هذه التحصينات: (خط بارليف) نسبة إلى الجنرال بارليف صاحب الفكرة.

ويُضاف إلى ذلك: وجود ممر قناة السويس الملاحي الذي يعد بمفرده عائقًا ومانعًا مائيًّا طبيعيًّا تحتمي خلفه القوات الإسرائيلية شرق القناة، وقد قام الإسرائيليون ببناء ساترٍ ترابي ضخم على طول الضفة الشرقية للقناة بارتفاع 20- 25 م؛ لإخفاء التحركات الإسرائيلية، وإعاقة أي عبور للأفراد أوالمركبات البرمائية، حيث أقيم بميلٍ حادٍّ يصعب على الأفراد تسلقه.

خطة العبور للعائق المائي:

تولى الفريق "سعد الدين الشاذلي" رئاسة أركان القوات المسلحة بتكليفٍ مِن "السادات"؛ لما عُرف عنه مِن حرفيته الحربية العالية، فوضع خطة عبور القناة وتحطيم خط بارليف، وقد تم تكريمه بمنح اسمه قلادة النيل في 2012م في الذكرى 39 لنصر أكتوبر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية