شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب العاشر مِن رمضان 1393هـ (السادس مِن أكتوبر 1973م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وقد قام اللواء "عبد الغني الجمسي" -رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها- بعمل دراسةٍ دقيقةٍ للموقف على الجبهتين: المصرية والسورية؛ لتحديد أنسب وقتٍ لبدء العمليات الحربية على الجبهتين معًا، أعدها وقدمها مكتوبة، فيما عرف باسم: (كشكول الجمسي).

تم التخطيط للحرب بضربةٍ جويةٍ مفاجئةٍ وشاملة لكل الأهداف الهامة في عمق سيناء، مع تمهيدٍ للعبور في نفس الوقت بقصفٍ مدفعيٍ مكثفٍ على طول الجبهة، يتم خلاله عبور 2500 مِن القوارب المطاطية، تضم موجاتها الأولى قوات مشاة مدعمة بأسلحة خفيفة مضادة للدبابات، وصواريخ الكتف المضادة للطائرات والدبابات، وتزويد الجنود بحبال لتسلق الساتر الترابي، وبحبالٍ أخرى غليظة؛ لجر المدافع الثقيلة التي يتعذر حملها بواسطة الأفراد لثقلها، مع تكليف قواتٍ مِن الصاعقة بالتوجه إلى عمق سيناء وإعداد كمائن، وزرع ألغام مضادة على الطرق المتوقع قدوم دبابات العدو ومدرعاته الاحتياطية منها للتدخل في المعارك التي ستدور أثناء الاستيلاء على الحصون والنقط القوية في خط بارليف، كما عُهد إلى القوات البحرية بحماية الجانب الأيسر للقوات المصرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب المشاركة في قصف الأهداف الهامة للعدو في الساحل الشمالي، وحماية جنوب القوات المصرية على البحر الأحمر.

وقد نجحت القوات المصرية في تنفيذ هذه الخطة في وقتٍ وجيزٍ، ورفع الأعلام المصرية على الشاطئ الشرقي للقناة، وقد أعلن في البيان السابع مِن القيادة العامة للقوات المسلحة في مساء نفس اليوم عن عبور مانع قناة السويس إلى الشاطئ الشرقي للقناة على طول خط المواجهة، واقتحام خط بارليف والدخول في اشتباكاتٍ مع العدو داخل سيناء لتحرير باقي الأرض.

اقتحام القناة وخط بارليف:

عَبَر الجنود المصريون القناة بقواربهم المطاطية في موجاتٍ متتابعةٍ بعد أن ساروا بقواربهم مسافة طويلة مِن أماكن تمركز وحداتهم على بعد كيلومترات مِن حافة القناة، واعتلوا الساتر الترابي لخط بارليف تحت غطاءٍ مِن القصف المدفعي المركز لأكثر مِن 2000 مدفع أطلقت أكثر مِن 10500 دانة مدفعية على مواقع وتحصينات ودشم وبطول 160 كم، في واحدة مِن أكبر عمليات التمهيد النيراني في التاريخ، أجبرت قوات العدو على الاحتماء بالملاجئ داخل المواقع والحصون؛ مما ساهم في تسهيل عملية العبور، وحصار حصون خط بارليف.

انتهت القصفة الأولى للمدفعية الساعة 20و2 ظهرًا، وبعمقٍ وصل إلى 5و1 كم خلف الساتر الترابي، في الوقت التي قصفت فيه 220 طائرة مصرية مركز قيادة العدو وبعض مناطق الشئون الإدارية، وقواعده الجوية ومطاراته الحربية في عمق سيناء؛ لإرباك قيادات العدو وطيرانه، وقصفت مواقع الصواريخ المضادة للطائرات والمدفعيات بعيدة المدى، فنجحت بكفاءةٍ في تدمير مركز القيادة الرئيسي لقوات العدو وشل قدراته.

وقد بلغ عدد الذين عبروا في الدقائق الأولى 8000 مقاتل، ازدادوا إلى 14000 مقاتل بعد ساعة ونصف ساعة، وازدادوا إلى 33000 مقاتل بعد خمس ساعات، وقد قام سلاح المهندسين العسكريين بتشغيل طلمبات جذبت المياه مِن القناة، وأحدثت عشرات الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، وقامت وحدات الكباري بتركيب الكباري مِن الصفة الغربية إلى الضفة الشرقية للقناة أمام الثغرات التي تم فتحها، حيث اندفعت الدبابات والعربات المجنزرة والمعدات الثقيلة على الكباري للعبور إلى الشاطئ الشرقي للقناة، كما قامت مجموعة مِن القوات الخاصة بتعطيل الأجهزة المخصصة لإشعال مياه القناة بالنابالم الحارق عند عبور المصريين للقناة، وقد حاولت قوات العدو ضرب الكباري والمعديات على امتداد القناة، ولكن قوات الدفاع الجوي المصرية تصدت لها بقوةٍ ومنعتها مِن تحقيق هدفها.

كما قامت القوات البحرية بقصف أهدافٍ هامة في شمال سيناء مِن البحر الأبيض، ومِن جنوب سيناء مِن البحر الأحمر، كما قامت باعتراض السفن الإسرائيلية، ووقف إمدادات البترول لإسرائيل، وقامت قوات خاصة مِن الصاعقة والمظلات بالتقدم خلف خطوط العدو في عمق سيناء؛ لتعطيل أي تقدم أو هجوم مضادٍّ مِن احتياطات العدو يعرقل عبور وتقدم القوات المصرية التي ما زالت تعبر القناة، وقد قامت تلك القوات بمهامها على خير وجهٍ، حيث دمرت الكثير مِن دبابات ومدرعات العدو.

وفي صباح 7 أكتوبر بدأ الطيران الإسرائيلي -بعد أن زالت عنه الصدمة- في مهاجمة قواعد الصواريخ المصرية ومناطق الكباري والمعابر على القناة، وفشلت هجماته بعد تكبد خسائر فادحة، وفي صباح 8 أكتوبر كرر هجماته على رؤوس الكباري في شرق القناة شمال الإسماعيلية، وفشلت الهجمات مع تكبده لخسائر فادحة، وفي هذا اليوم أنهت القوات المصرية تدمير وتصفية جميع النقاط القوية للعدو، وثبتت أقدامها على الضفة الشرقية للقناة، وبدأت تتقدم في عمق سيناء، واستكملت تحرير مدينة القنطرة شرق، ورفع الأعلام المصرية على أبنيتها بعد تطهيرها مِن قوات العدو.

ومع الفشل في اختراق الدفاعات المصرية وسقوط خط بارليف والمواقع الحصينة في شرق القناة وبدء الدخول في عمق سيناء اضطرت (جولدا مائير) إلى طلب النجدة السريعة مِن أمريكا لإنقاذ إسرائيل، وبالفعل قامت أمريكا بإنشاء أكبر جسر جوي في التاريخ؛ لتعويض إسرائيل عن كل ما فقدته مِن دبابات ومعدات، وتزويدها بأحدث ما في الترسانة الأمريكية مِن سلاحٍ.

صد الهجوم الإسرائيلي المضاد:

استمر تفوق القوات المصرية والسورية يومي 7 و8 أكتوبر واكتسابهما للأرض، وفي 8 أكتوبر بدأ الهجوم الإسرائيلي المضاد في داخل سيناء، والذي جاء متأخرًا عما كانت توقعته القيادة المصرية؛ لذا تم صده، بل وتدمير نحو 250 دبابة إسرائيلية، وكرر العدو هجومه المضاد يوم 9 أكتوبر، فتم للمرة الثانية تدمير عدد كبير مِن دباباته، ولم يكن في قدرة إسرائيل مواصلة القتال على الجبهتين: المصرية والسورية بكفاءةٍ في وقتٍ واحدٍ، فجاء فشل الهجوم المضاد على القوات المصرية، ثم الهدوء النسبي على الجبهة المصرية حيث أرادت إسرائيل تركيز هجومها المضاد على القوات السورية لاستعادة ما فقدته في الجولان.

تطوير الهجوم المصري شرق القناة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية