الخلاف بيْن "فتح" و"حماس" وأثره على القضية الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
في محاولة لتطبيق الجانب الأمني مِن اتفاق (أوسلو) تصدت السلطة الفلسطينية لأعمال المقاومة الفلسطينية، مما أوقعها في مواجهاتٍ مع حركة حماس، كان مِن أشدها المواجهة الدامية بيْن رجال أمن السلطة الفلسطينية والمصلين في مسجد فلسطين في غزة انتهت بسقوط 13 قتيلًا، وأكثر مِن مائتي جريح، حيث كانت حماس قد قررت الخروج بصورةٍ سلميةٍ عقب صلاة الجمعة في يوم 8 نوفمبر 1994م إلى منزل منفذ (عملية نيتساريم) الاستشهادية، فتصدى لهم رجال الشرطة الفلسطينيون وعناصر الأمن الوقائي المسلحون، فنزعت مكبرات الصوت مِن السيارة المرافقة للمسيرة، فرشقهم المصلون بالحجارة، فردت عليهم الشرطة وعناصر الأمن بإطلاق النار، فكانت المواجهة الدامية، والتي أعقبها اعتقال العديد مِن قيادات وكوادر حماس، وترددت أنباء عن تعرضهم للتعذيب الشديد في المعتقلات.
وحين جرت انتخابات المجلس التشريعي الأول عام 1996م، قاطعتها حماس، ولكن بعض كوادرها رشح نفسه فيها.
نفذت حماس العديد مِن العمليات الاستشهادية ضد إسرائيل، وفي أعقاب إحدى عمليات التفجير في غزة في أكتوبر 1998م فرضت السلطة الفلسطينية الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، وفي 22 مارس 2004م اغتالت إسرائيل الشيخ، ثم اغتالت بعده في 17 أبريل 2004 م الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي خلفه رئيسًا للحركة.
ترددت الأنباء عن مظاهر للفساد الإداري والمالي داخل السلطة الفلسطينية، حيث كان معظم موظفي السلطة أعضاءً في منظمة فتح التابعة لياسر عرفات، وقد أحاط عرفات نفسه بالعديد مِن المشبوهين بالتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي بذرائع واهية، وقد تبوأ بعضهم مواقع قيادية فراح يلاحق المناضلين.
وقد آلت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م إلى وجود رأسين وجسدين للانتفاضة، كلاهما يخالف الآخر في المنهج، حماس التي نبتت مِن الانتفاضة وتبنت المقاومة المسلحة للاحتلال، والسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح، والتي تبنت التفاوض مع إسرائيل، وقطعت خطوات عملية في العمل السياسي ونبذ العمل المسلح.
وفي 11 نوفمبر 2004م توفي ياسر عرفات بعد رحلة مرض، ووجه الاتهام لإسرائيل بدس السم له عن طريق بعض عملائها، لما أبداه مِن تلكأ في تنفيذ ما طلب منه مِن خطوات، فجاءت وفاته نهاية لمرحلةٍ مِن الصراع بيْن الطرفين وبداية لأخرى؛ حيث انتخب محمود عباس (أبو مازن) خلفًا لعرفات في رئاسة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في انتخاباتٍ قاطعتها حماس ترشيحًا وتصويتًا، وربما تكون بذلك قد أضاعت فرصة تولي الرئاسة أو -على الأقل- إضعاف موقف محمود عباس فيها.
وقبل محمود عباس شروط (خارطة الطريق) مع إسرائيل، فدمج الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة فقط: جهاز الأمن الداخلي: ويضم رجال الشرطة وعناصر الأمن الوقائي، والدفاع المدني: ويتبع وزارة الداخلية، والمخابرات العامة والأمن الوطني: وتتبع رئاسة السلطة.
واتفق عباس في مارس 2005م مع إدارة بوش وحكومة شارون على تشكيل فريق تنسيق أمني أمريكي لتدريب وتجهيز قوات الأمن الفلسطينية، والإشراف على التنسيق الأمني بيْن سلطة الاحتلال والسلطة الفلسطينية.
وفي مارس 2005م تم التوصل إلى (اتفاق القاهرة) بيْن قيادات الفصائل الفلسطينية، الذي قضى بهدنة مع العدو الإسرائيلي، وتشكيل لجنة تتولى إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية بعد دخول كل الفصائل الفلسطينية فيها، وهو ما لم يُنفذ في الواقع.
وفي 12 سبتمبر 2005م انسحبت القوات الإسرائيلية مِن قطاع غزة بالكامل، وعدت حماس في ذلك انتصارًا لها.
حماس في الانتخابات:
شاركت حماس في الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وغزة فحصلت على 38% مِن أصوات الناخبين، وفي 25 يناير 2006 م شاركت حماس في الانتخابات التشريعية الثانية، فنالت أغلبية المقاعد، حيث حصدت 74 مقعدًا مِن إجمالي 132 مقعدًا للمجلس التشريعي (أي أكثر مِن 50% مِن المقاعد)، بينما حصلت فتح على 45 مقعدًا (أي أكثر قليلًا مِن ثلث المقاعد).
وقد أرجع المحللون فوز حماس لأمورٍ، منها:
1- ارتفاع منسوب العمليات الاستشهادية التي قامتْ بها حماس، وكانت مِن أسباب الانسحاب الإسرائيلي مِن غزة.
2- فقد حماس لأكبر قادتها في مواجهة إسرائيل، منهم: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
3- تدهور القضية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو بيْن فتح وإسرائيل.
4- تردي الأوضاع داخل فتح، وتردد الاتهامات حول الفساد الإداري والمالي لمؤسساتها.
5- تطلع الأهالي لحماس لتولي نصرة القضية الفلسطينية التي تجاوزت اتفاق أوسلو، الذي تعارضه حماس والكثير مِن الفصائل الفلسطينية، خاصة وأنه لم يحقق الحد الأدنى مِن المطالب الفلسطينية، وللتخلص أيضًا مِن الفساد الذي انتاب فتح والسلطة الفلسطينية.
6- التهديدات المتتالية التي نقلتْ لقادة حماس بقرب الإجهاز عليهم وعلى الحركة إذا استمرت في خطها الجهادي.
لماذا خسرت فتح الانتخابات؟
أرجع المحللون ذلك لأمورٍ، منها:
1- إن حماس خاضت الانتخابات موحدة ومنظمة، أما فتح فدخلتها مبعثرة؛ إذ أن 87 مِن أعضاء فتح خاضوا الانتخابات في الدوائر الـ66 إلى جانب مرشحي فتح الـ66 المعتمدين مِن القيادة، مما شتت أصوات فتح.
ورغم أن مجموع الأصوات التي حصلتْ عليها فتح في القائمة النسبية والدوائر بلغت نحو 51% مِن مجموع الأصوات، فإن فتح لم تنل إلا 45 مقعدًا، منها 28 في القائمة النسبية؛ مما يؤكِّد أن الخلل كان في الدوائر، لتنافس أعضاء فتح في الدائرة الواحدة.
أما حماس فنالت 41% مِن مجموع الأصوات، ولكن حصدت 74 مقعدًا فيما أخفقت خمس قوائم في تجاوز نسبة 2%، وتجاوزت أربع قوائم هذه النسبة، فحصلت الجبهة الشعبية على 3 مقاعد، وتحالف (الديمقراطية - حزب الشعب - فدا) على مقعدين، ومثلهما لقائمة (فلسطين المستقلة)، التي ترأسها دكتور مصطفى البرغوتي الأمين العام للمبادرة الوطنية، ومثلهما لقائمة (الطريق الثالث) الليبرالية، التي يتصدرها سلام فياض، وفي الدوائر لم ينجح إلا مرشحي حماس وفتح، وأربعة مستقلين ساندتهم حماس.