رحلة مع أولياء الله الصالحين
سعيد السواح • المنهج السلفي
فلتنظر -أيها الحبيب- إلى كلام نبيك -صلى الله عليه وسلم- فهذه البقعة التي اشتملت على جسد النبي -صلى الله عليه وسلم- من أشرف بقاع الأرض، وإن كان للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كما تعلم، هذه الكرامة التي لا تخفى علينا ولا عليك عند ربه -تعالى-، ومع ذلك يحذر أن يتخذ قبره وثنًا يعبد من دون الله، أو أن يتخذ عيدًا، فما قولك -أيها الحبيب- فيمن هو دونه، ولا تعلم من حاله، بل قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها السرج ) (أبو داود) .
أيها المسلم الحبيب أتدري من هم سادات الأولياء؟ هم الذين بشرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام.
أتدري -أيها الحبيب- لماذا قلنا: إنهم من الأولياء؟ فوالله لولا شهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم أنهم في الجنة ما استطعنا أن نتفوه بكلمة واحدة، فما كان لنا أن نتكلم بما ليس لنا به علم.
بل انظر -أيها الحبيب- إلى ملائكة الرحمن لما قال لهم:
( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة:31) قالوا عند ذلك: ( سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:32).
فنحن نشهد لهم بالجنة لشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم، بل ونشهد لثابت بن قيس بن شماس، وكذا لعكاشة بن محصن، بل ونشهد لكل من شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، ففيه الدلالة أن الله -تعالى- قبل منهم أعمالهم، وهذا لم يكن إلا بإطلاع الله -تعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وعدا ذلك فنمسك ولا نخوض فيما خاض فيه الناس، وتكلموا فيه بلا علم عندهم من ربهم -سبحانه- ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.
ولتعلم -أيها الحبيب- أن إيماننا هو الذي يجعلنا نقف عند حدودنا ولا نتعداه، وقد حذرنا الله أن نتكلم فيما لم يكن لنا به علم لا من كتاب ولا سنة، وأن نخوض مع الخائضين:
( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (النور:17) . وإلا كان هذا من باب البهتان. ( هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) (النور:16) .
وقد يتساهل البعض في ذلك، فنقول لهم: ( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) (النور:15) .
ونقول لكم: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63)
فيا أيها الحبيب ما الطريق إلى الولاية؟ وما السبيل إلى هذه الولاية؟
إن ذلك يتمثل في أداء الفرائض، والتقرب إلى الله بالنوافل.
أتدري ما سبيلك لأداء الفرائض؟ وهو أن تأتي بالفرائض التي ألزمنا الله -تعالى- بأدائها وإتمامها على الوجه المأمور به بامتثال الأمر، واحترامه وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل.
ولتعلم أيها الحبيب أن من أداء الفرائض ترك المعاصي، والحذر من مخالفة أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذه من أعظم فرائض الله -تعالى- ألا وهي ترك معاصيه التي هي حدوده التي من تعداها؛ كان عليه من العقوبة ما ذكر الله -تعالى-.
وأنت تعلم -أيها الحبيب- كيف مسخ الله هؤلاء الذين استحلوا محارمه، واعتدوا على حدوده، وعتوا عن أمر ربهم، فمسخهم قردة وخنازير.
أما تقربك إلى ربك بالنوافل، فهذا ليس بنافع للإنسان إلا بأداء الفرائض التي كتبها الله علينا وفرضها علينا.
- فما رأيك وما حكمك على من أحيا الليل كله، ثم نام عن صلاة الفجر؟!!
- وما رأيك وما حكمك فيمن يصوم طوال العام ثم يفطر رمضان؟
- وما رأيك وما حكمك فيمن يتصدق من ماله، ولكنه لا يخرج زكاة ماله؟
ولتعلم -أيها الحبيب- أن باب النوافل باب عريض، فمنها: نوافل الصلاة، ونوافل الصيام، ونوافل الصدقات، ونوافل الأذكار، وغيرها.
فعليك -أيها الحبيب- أن تطعم من هذه العبادات على قدر ما تستطيع، وإياك والحرمان، فالمحروم هو من حرم من طاعة ربه -تعالى-.
واليك -أيها الحبيب- جانبًا من هذه النوافل التي لو زاد العبد من فعلها بعد أدائه للفرائض؛ لازداد قرب هذا العبد من ربه -تعالى-.
فمن نوافل الصلاة:
1 - رواتب الفرائض: عن أم حبيبة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ ) قالت أم حبيبة: فما برحت أصليهن بعد. (مسلم كتاب: "صلاة المسافرين" باب: فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن، وبيان عددهن) . وكذا عن أم حبيبة بنت سفيان -رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعًا بَعْدَ الظُّهْرِ، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار ) (أحمد 26651 ) .
2 - قيام الليل: عن عائشة -رضي الله عنها- ( أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بالليل إحدى عشر ركعة يوتر منها بواحد، فإذا فرغ؛ اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين ). وتقول عائشة -رضي الله عنها-: ( وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره؛ صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ) ( مسلم كتاب: "صلاة المسافرين" باب: صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض) .
