"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات
هذا وقد تعقب الإمام السيوطي هذا الكلام بالأمور الآتية:
1- أجاب السيوطي بأنه يرى أن البدع ليستْ كلها مذمومة، بل تنقسم إلى الأحكام الخمسة.
2- أنه لم يحدثه البطالون، ولكن أول مَن أحدثه وفعل ذلك صاحب "إربل" الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين، وهو ملك صالح، وهو زوج أخت صلاح الدين.
3- واعتذر عما دفع به الفاكهاني مِن أن شهر وفاته هو شهر مولده فهل يفرحون أو يحزنون؟ بأن الشرع أمرنا بإظهار الفرح والشكر عند النعمة بالعقيقة ونحوها، ولم يأمرنا عند المصيبة إلا بالصبر؛ فمتى اجتمعا، فالمطلوب إظهار النعمة.
4- نقل عن ابن الحاج تخريجه على صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليوم الاثنين، ونقل عنه اعتذاره مِن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخص شهر ربيع الأول بشيءٍ مِن العبادات تخفيفًا على أمته.
5- نقل الإمام السيوطي عن الإمام ابن حجر -رحمهما الله تعالى- أنه قرر أن المولد محدث، لم تعرفه القرون الثلاثة الأولى، ولكنه يمكن أن يخرّج على صوم يوم "عاشوراء" شكرًا لله على نعمة نجاة موسى -عليه السلام-، فيُؤخذ منه الشكر عند النعم.
6- أضاف السيوطي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عقَّ عن نفسه، بينما كان جده عبد المطلب قد عقَّ عنه، وفيه إشارة إلى أن تلك العقيقة الثانية شكر خاص لله على نعمة ميلاده -صلى الله عليه وسلم-.
7- ونقل عن ابن الجزري أنه استدل على جواز المولد بما ورد أن العذاب يخفف عن أبي لهب يوم الاثنين مِن كل أسبوع؛ لأنه أعتق ثويبة لما بشَّرت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم مولده.
هذا ملخص جواب الإمام السيوطي -رحمه الله- على الإمام الفاكهاني، وإليك مناقشة الإمام السيوطي فيما قال:
1- موضوع البدعة سيأتي التعليق عليه في الفقرة التالية -إن شاء الله-.
2- بالنسبة لقضية مَن أول مِن أحدث المولد:
إن الثابت تاريخيًّا: أن أول مَن أحدث المولد هم الفاطميون كما ذكر ذلك المقريزي في المواعظ والاعتبار، ثم إن صلاح الدين -رحمه الله- قد أبطل موالد الفاطميين؛ إلا أن زوج أخته الذي كان واليًا على إربل مِن أعمال العراق قد استحسن إعادة المولد، وعضده في ذلك ابن دحية مِن علماء الأندلس.
وقد ذكر العلماء فى ترجمة المظفر الكثير مِن الثناء في إنفاقه عمومًا "وفي المولد النبوي خصوصًا"، ونقل السيوطي عن سبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان": "حكى بعض مَن حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عدَّ في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى" (مرآة الزمان في تواريخ الأعيان) .
ولا أدري: هل هذا مِن ماله أم هو مِن جنس الاحتفال الذي يكون مِن أموال الناس الذي قال الإمام "الفاكهاني" في شأنه: "لا يختلف على تحريمه اثنان"؟!
وهذا السؤال يجيبك عنه "ياقوت الحموي" في "معجم البلدان" فيقول عن هذا الملك المظفر: "وطباع هذا الأمير مختلفة متضادة؛ فإنه كثير الظلم، عسوف بالرعية، راغب في أخذ الأموال مِن غير وجهها، وهو مع ذلك مفضل على الفقراء، كثير الصدقات على الغرباء، يسيّر الأموال الجمّة الوافرة يستفكّ بها الأسارى مِن أيدي الكفار، وفي ذلك يقول الشاعر: ... ".
وعمومًا هذه قضية ثانوية، وإنما حرصتُ على التعليق عليها؛ لأن بعض مَن اغتر بكلام السيوطي أخذ يشنِّع على "الوهابية" أنهم يكذبون ويحاولون إلصاق المولد بالفاطميين؛ لكي يصرفوا الناس عنه، وهو إنما (أحدثه) زوج أخت صلاح الدين، فأردتُ أن أوضِّح أن هذه النقطة ليستْ كذبًا، بل هي واقع كما ترى.
3- وأما مسألة أن شهر المولد هو نفس شهر الوفاة، فالسيوطي تعامل مع المسألة على أننا ملزمون بعملٍ شيءٍ ما في شهر الميلاد، ثم بحث عن مخرجٍ لكون هذا الشهر هو بعينه شهر الوفاة!
وهذا الشعور بهذا الإلزام كافٍ جدًّا في بيان أنه "بدعة" وزيادة في الدين، ولكن مِن باب التنزل نقول: طالما أن لدينا -كما يرى السيوطي- حرية (الإحداث في الدين!)؛ فلماذا ضاقتْ بنا السبل؟! ولماذا -مثلًا- لا نجعل يوم البعثة هو يوم شكر نعمة إرسال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!
وعمومًا فهذه النقطة كسابقاتها لم تكن تستحق عناء الرد؛ لولا أن بعض المعاصرين عدَّ هذا الاعتراض مِن تشنجات الوهابية؛ رغم ان هذا الاعتراض قد ساقه وأورده الفاكهاني -كما مرَّ- قبْل ظهور الوهابية بقرونٍ!
4- مسألة التخريج على صيام يوم الاثنين هي دليل على المنع لمَن تأمل؛ لأنه يجعل الاحتفال بيوم مولده السنوي -صلى الله عليه وسلم- ليس مجرد زيادة لا أصل لها، بل عدول عن المشروع إلى غيره مِن جهتين:
الأولى: العدول عن يوم مولده الأسبوعي إلى السنوي، وهذا نوع مِن التقتير والإخلال لا يَخفى، ويترتب عليه أمر آخر، وهو: أن مولده الأسبوعي ثابت في الحديث الصحيح، بينما يوم مولده مِن العام مختلف فيه اختلافًا شديدًا، وسبب هذا: أن الصحابة قلَّت عنايتهم بضبط ما لا يترتب عليه حكم تشريعي كـ"تواريخ الوقائع"؛ سواء التي كانت قبْل البعثة أو التي حدثتْ بعدها.
الثاني: العدول عن الصفة المشروعة مِن الصيام إلى ضده مِن التوسع في الطعام والشراب والحلوى، وأما تعليل هذا بالرغبة في التخفيف فيتنافى مع أن المشروع (صيام أسبوعي) والمحدث (طعام سنوي)؛ فأيهما أيسر على الناس؛ لا سيما والباب أصلًا مِن أبواب المستحبات؟!