شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات

5- وأما القياس على صوم يوم عاشوراء؛ لأنه يوم نجَّى الله فيه موسى -عليه السلام-: فلو تأملنا لوجدناه حجة علي المنع لا على المشروعية؛ وذلك أن هذا اليوم فقط هو الذي اعتنى به الصحابة، وعلى الوجه المبيَّن في الشرع، مع أنهم عايشوا نجاة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الهجرة، ونصره يوم بدر، ونجاته مِن القتل يوم "أُحد" بعد ما أشيع عن مقتله، وهمْ مع ذلك منهم مَن يصوم يومًا ويفطر يومًا، ومنهم مَن أراد أن يزيد على ذلك كعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- حتى نهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ومنهم مَن يصوم الاثنين والخميس، ومنهم... ومنهم... بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصى أبا هريرة -رضي الله عنه- مع انشغاله بخدمته -صلى الله عليه وسلم- ألا يدع صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر؛ فماذا كان يضيره أن يضيف إليها في شهر ربيع الأول يومًا آخر؛ لا سيما وهو قبلها؛ إذ المستحب فى صيام ثلاثة أيام مِن كل شهر أن تجعل أيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.

وهذا أنس -رضي الله عنه- يخبر: أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدباءَ بعد يومِئذٍ" (متفق عليه) ، فهو -رضي الله عنه- قد أحب الدباء لمجرد معرفته أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب أكلها؛ أفكان يعجزه أن يتحرى صيام يوم المولد أو يوم أُحد -أو غيره- لو كان الصحابة -رضي الله عنهم- قد فهموا أن صيام يوم عاشوراء يصلح أن يُقاس عليه الأيام التي امتن الله فيها على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالميلاد أو البعثة أو النجاة مِن الأعداء أو النصر عليهم؟!

6- وأما مسألة تكرار النبي -صلى الله عليه وسلم- للعقيقة؛ فلم يثبت أصلًا أن جده عبد المطلب عقَّ عنه، ولا أنه -صلى الله عليه وسلم- عقَّ عن نفسه ثانية، ولو ثبت لما كان لهذه المسألة أي دلالة أكثر مِن مشروعية العقيقة، ويكون إعادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لها على فرض حدوث ذلك مِن باب أن تُفعل بنيةٍ منه حتى تكون قربة؛ لأنه على فرض أن جده قد فعلها، فقد كان هذا مِن كافرٍ، وكان قبْل بعثته -صلى الله عليه وسلم-.

7- وكذلك التخفيف عن أبي لهب كل يوم اثنين لعتقه ثويبة لما بشرته بمولد النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يصح، ولو صح لما كان فيه دلالة، ولو كانت فيه دلالة ستكون لتعظيم يوم الاثنين مِن كل أسبوع، وهو ثابت شرعًا بالحديث الصحيح ولا يحتاج إلى مثل هذه الاستدلالات، وبطبيعة الحال لا يمكن أن تدل بحالٍ على شيء يتعلق بشهر ربيع الأول.

مناقشة مَن يرون جريان الأحكام الخمسة في باب البدع:

تذرع السيوطي -رحمه الله- في هذه الرسالة بقول مَن قال مِن العلماء: إن البدعة تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة؛ كل مسألة بحسب الدليل.

وهذا الكلام إذا تتبعت أمثلته التي يذكرها العز بن عبد السلام (577/ 660هـ - 1181/ 1262م) أو السيوطي -رحمهما الله- أو غيرهما كلام مسلَّم وواضح، ولكن تلاحِظ مِن الأمثلة التي يذكرونها أنهم يتعاملون مع كل المسائل الحادثة على أنها بدعة، وبالتالي لا يصعب عليهم ضرب مثال لبدعةٍ (أي: أمر حادث) تندرج تحت كل حكم مِن الأحكام التكليفية الخمسة، وهذا الكلام بهذا الاعتبار لا غبار عليه، ولا يختلف عليه أحد، وهذا ما حدا ببعض الباحثين مثل الشيخ "علي محفوظ" -رحمه الله- أن يقول: "إن الخلاف بيْن الفريقين لفظي".

والواقع: إنه من قسم البدعة اللغوية إلى أقسامها الخمسة، فقد قال كلامًا في ذاته صحيحًا، بل ويكاد يكون مجمعًا عليه؛ إلا أنه يكون قد سكت عن مسألةٍ يكثر الخلاف في جزئياتها -على الأقل-، وربما بعد ما تنقح مذهب بعض مَن يصدر هذا التقسيم تجده يرى أن كل المحدثات في الدين ضلالة، وبالتالي يكون الخلاف معه لفظيًّا، والبعض قد تجد عنده مساحة مِن القبول لتلك المُحدثات رغم أنهم غالبًا ما يعجزون عن وضع ضابط للتفريق بيْن ما يقبلون وما يرفضون في المحدثات الدينية، وغالبًا ما يلجأون إلى الاستحسان سواء مِن قِبَل أنفسهم أو مِن قِبَل الناس، كما يتمسك البعض بهذا في مسألة المولد وغيرها.

ولتحقيق مذهب مَن يعتمد هذا التقسيم نحتاج أن نسأله صراحة عن أمورٍ، منها:

- ما هي الأحكام المستفادة مِن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه مسلم) : هل يقر بعموم "كل" المخصوص بأن البدعة المشمولة بـ"كل" هي البدعة الدينية أخذًا مِن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، فهذا سيكون الخلاف معه لفظيًّا؟ أم أنه يعيد الكلام على الأقسام الخمسة؛ مما يعني تفريغ هذا الحديث مِن أي فائدةٍ، وسحب عموم "كل" إلى لا شيء البتة إلا ما ثبت "تحريمه" في موطنٍ آخر؟ وبالتالي فلن يكون الخلاف معه لفظيًّا.

- ويتضح هذا بسؤالٍ أوضح، وهو: هل يقر بما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي -رحمهما الله- ونقلا إجماع الأمة عليه مِن كون العبادات توقيفية أم لا؟!

وإذا أقر بكون العبادات توقيفية؛ فهل يلتزم بأن زيادة عبادة أو زيادة صفة فيها أو تخصيص زمانٍ أو مكانٍ بعبادةٍ بغير مخصصٍ هو نوع مِن الخروج عن هذا التوقيف كما في أثر ابن مسعود -رضي الله عنه-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ!" (رواه الدارمي، وصححه الألباني) ؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية