"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات
- ويُضاف إلى هذا سؤال آخر حول تتمة القاعدة مِن أن الأصل في المعاملات الإباحة، ولا نظن أنهم ينازعون فيها، ولكن السؤال سوف يتوجه إلى أن شرط إجراء هذه القاعدة: أن تفعل المباحات على أنها مباحات، فإن أراد صاحبها التقرب بها لذاتها؛ فهذا يدخلها في باب البدع كما في حديث أبي إسرائيل -رضي الله عنه- الذي "نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ". فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ) (رواه البخاري) .
- وأما اعتبار بعض المباحات مِن باب المصالح المرسلة؛ فلابد فيها مِن ألا يكون المقتضي موجودًا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو كان موجودًا وكان معه مانع، وهذا الضابط وإن كان يستعمل لضبط قاعدة المصلحة المرسلة حتى لا تتحول إلى استحسانٍ مذمومٍ أو تشريع ما لم يأذن به الله؛ فإنها أيضًا تصلح للتمييز بيْن البدع والمصالح المرسلة عند مَن يشتبه عليه أمرهما
- الحاصل: أن مَن يلوذ بتقسيم البدعة اللغوية إلى أقسامٍ خمسة سيحوجك إلى طرح أسئلة أو إلى السعي عن الإجابة عليها بطريق الاستقراء، وكثير مِن هؤلاء الأئمة سوف تجد أن منهجه التفصيلي قريب أو موافق لهذه الأدلة في الجملة، وهو ما قد يعزز مسلك مَن يقول: "إن الخلاف لفظي".
- ولكن سيبقى أن مِن أكثر الأمور إثارة للجدل: الأعياد والمواسم، ونحوها، بناءً على أن بعض العلماء لا سيما الذين تأثروا بطوفان الأعياد والمواسم التي أحدثها الفاطميون، ولعلهم وجدوا أنها حتى بعد زوال حكم الفاطميين أنها مناسبات تظهر فيها عاطفة دينية عند أقوامٍ معرضين عن تعلُّم العلم وسماع الموعظة، فمالوا إلى استحسانها عقلًا وطبعًا، مع أنهم أنفسهم هم مَن صرَّح أن كثيرًا ممَن استهدفوهم بهذه المناسبات أخذوا منها حظهم مِن المباحات طعامًا وشرابًا، وربما مِن المعاصي معازفَ ونظرًا، ولم يخرجوا منها بأي فائدة!
- ومثار المشكلة: أن العيد يجمع معنى العبادة ومعنى العادة، فهل سنغلِّب جانب العبادة، وبالتالي ندخلها في قاعدة: "أن الاصل التوقيف" أم نغلِّب جانب العادة وندخلها في قاعدة: "أن الاصل الإباحة"؟!
ولعل سبب غلط كثير ممَن تعرض للمسألة: أنه لم يفطن إلى أن هذه المسألة فيها نص خاص، وأنه لا يحتاج فيها إلى إجراء تلك الموازنة بعقله أو بإعمال نظره؛ وذلك لأن الدليل قد دلَّ على أن الأعياد توقيفية، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: ( مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ ) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وهناك مَن يقترح أن نخرج مِن هذه المعضلة بأن تسمَّى هذه المناسبات المخترعة بيوم كذا... بدلًا مِن عيد كذا... ! مع أن مسمَّى "اليوم" هو الذي ورد في حديثنا هذا، والذي بيَّن لهم فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله أبدلهم خيرًا منهما؛ ذلك أن العبرة بالمعاني والحقائق لا بالمسميات.
ومِن ثَمَّ تعلم: أن مجرد وجود ليلة فاضلة مرة في العمر كالليلة التي حدثت فيها واقعة الإسراء -مثلًا- لا يدل على أن هذه الفضيلة تدور مع الزمان، وتتكرر كل عام؛ فهذا تخصيص لا يأتي إلا مِن جهة الشرع، ولا يدخله القياس، كما أنه حتى الليالي التي لها فضيلة تتكرر كل عام مثل ليلة النصف مِن شعبان، لا يلزم أن تُخص بعادةٍ ما أو بعبادةٍ ما؛ ذلك أن الشرع نوَّع فيما يتعبد الناس به في الأيام والليالي الفاضلة؛ فتارة يشرع الصيام، وتارة يشرع التوسعة في الطعام والشراب إلى الحد الذي يحرم معه الصيام؛ ولذا لما عدل أصحاب المولد عن الهيئة الشرعية مِن تعظيم يوم مولده الأسبوعي -صلى الله عليه وسلم- بالصيام إلى تعظيم يوم مولده السنوي جعلوه طعامًا وشرابًا، ثم غلبهم عليه الصوفية والبطالين؛ فجعلوه رقصًا وغناءً!
وكون باب الأعياد توقيفيًّا كافٍ في الحكم على أي عيدٍ غير المنصوص عليه شرعًا بأنه بدعة، وغالبًا ما يزيد عليها مسوغ آخر للتحريم كأن يكون الغالب على الاحتفال بها هيئات منكرة أو أن تكون أعياد مشركين أو أن تكون مضاهاة لأعياد المشركين، كما في كل الأعياد المرتبطة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا سيما مولده؛ فإنه فيه مضاهاة للنصارى.
وهذه نكتة أخرى في المسألة: أن الصوفية وهم في الغالب مَن يعنون بهذه المناسبات قد وضعوا قول البوصيري نصب أعينهم حيث قال:
دع ما ادعـته الـنـصارى فـي نبيهـم واحـكـم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت مِن شرفٍ وانسب إلى قدره ما شئت مِن عِظَم
ولا شك أن البوصيري نهاهم عن صورةٍ فجة مِن صور الشرك، ولكنه أباح لهم بعد ذلك أن يتوسعوا في المدح ولو بأمورٍ لم تثبت كتابًا وسنة، بل بأمورٍ ثبت في الكتاب والسُّنة ضدها!
وبالتالي؛ فغالبًا ما تكون البدع في هذه المناسبات مركبة مِن عدة بدعٍ، مع أنها لو تصور أنها اقتصرتْ فقط على تخصيص زمان بدون مخصصٍ؛ لكان كافيًا للمنع منها.
سؤال وجوابه:
المولد قد أحدث في زمن الفاطميين في آخر القرن الرابع الهجري، وإذا اخذنا بقول مَن يقول: إنه إنما أحدثه الملك المظفر، فسيكون هذا في بداية القرن السابع الهجري.
والسؤال: لماذا لم تشعر الأمة طوال ثلاثة قرون أو سبعة بحاجتها إلى شحذ حبها للنبي -صلى الله عليه وسلم-؟!
والجواب: إن الأمة لم تشعر أنها بحاجة إلى إحداث شيءٍ تُحقق به حبها للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم كانوا منشغلين بلوازم المحبة الحقيقية المجمع عليها، ومنها:
1- الجهاد في سبيل نشر دين النبي -صلى الله عليه وسلم-.
2- جمع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحمايتها مِن وضع الوضاعين، وكذب الفاسقين، بل ومِن اختلال حفظ مَن يختل حفظه مِن الصالحين.
3- خدمة هذه السُّنة دراية بشرحها واستنباط الأحكام منها.