شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات

4- تقرير حجية هذه السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ورد شبهات مَن أراد أن يُضعِف مكانة هذه السُّنة أو يُعرض عنها.

5- صيانة سنته -أي: طريقته- مِن كل ما نُسب إليها مِن بدعٍ دخيلةٍ؛ سواء كانت بدعًا اعتقادية أو تعبدية أو سلوكية.

6- كتابة سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله وأخلاقه، وتعليم هذا للكبير والصغير.

7- الصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أذكار الصباح والمساء، وفي الخطب والدروس وعند ذكر اسمه في مجالس الوعظ ومجالس التحديث.

8- الذب عن عرض أمهات المؤمنين، وعرض الصحابة أجمعين، وآل البيت الأطهار مِن كل ما تقوله عليهم الزنادقة والمنافقون، ومَن تبعهم مِن الجهال.

9- وإن كان ولابد مِن مولدٍ؛ فقد دخل في سنته الصحيحة تعظيم يوم مولده الأسبوعي، بصيام اليوم الذي وُلد فيه -صلى الله عليه وسلم-، وهو يوم الاثنين -كما تقدم-.

تنبيه: هيئة في المولد مجمع على تحريمها:

احتج مَن يجوزون المولد بكلام السيوطي -رحمه الله-، وزعموا أن مخالفهم وهابي لا يَعرف أن علماء الأمة قد استحسنوا المولد، إلى آخره.

وبيَّنا أن السيوطي نفسه -رحمه الله- بيَّن مَن يوافقه ومَن يخالفه، وأبرزهم: الفاكهاني، وأن الفاكهاني عدَّ صورة مِن المولد وصفها بأنها لا يمكن أن يختلف اثنان على تحريمها.

وقد وافقه السيوطي على أن المولد يحدث فيه مخالفات، ولكنه تعقبه بما معناه أن هذا المولد يُتصور بأن يكون تذكيرًا بسيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وإطعامًا مِن غير هذه المنكرات، واستحسن تفصيل ابن الحاج الذي بالغ في إنكار المولد إن تضمن هذه المخالفات، وقرر مشروعية المولد الذي فيه التذكير بسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وشيء مِن الطعام وفقط.

وهذا كلامه -رحمه الله-، قال: "وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج في كتابه "المدخل" على عمل المولد، فأتقن الكلام فيه جدًّا، وحاصله مدح ما كان فيه مِن إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه مِن محرمات ومنكرات، وأنا أسوق كلامه فصلًا فصلًا، قال:

فصل في المولد: ومِن جملة ما أحدثوه مِن البدع مع اعتقادهم أن ذلك مِن أكبر العبادات وإظهار الشعائر، ما يفعلونه في شهر ربيع الأول مِن المولد، وقد احتوى ذلك على بدعٍ ومحرماتٍ جمةٍ؛ فمِن ذلك: استعمالهم المغاني ومعهم آلات الطرب مِن الطار المصرصر، والشبابة، وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون أكثر الأزمنة التي فضَّلها الله -تعالى- وعظمها ببدعٍ ومحرماتٍ، ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه؛ فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله -تعالى- وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم؟! فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبيْن هذا الشهر الكريم الذي مَنَّ الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، وكان يجب أن يُزاد فيه مِن العبادة والخير شكرًا للمولى على ما أولانا به مِن هذه النعم العظيمة".

إلى أن قال: (وما زال الكلام لابن الحاج): "وقد ارتكب بعضهم في هذا الزمن ضد هذا المعنى، وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما، ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدب، فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز، وينظرون إلى مَن هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المبهجة لطرب النفوس، وهذا فيه وجوه مِن المفاسد، ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر، بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر، الخطر، وهو أن يكون المغني شابًا لطيف الصورة، حسن الصوت والكسوة والهيئة، فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته، فيفتن بعض مَن معه مِن الرجال والنساء، فتقع الفتنة في الفريقين ويثور مِن المفاسد ما لا يُحصى، وقد يؤول ذلك في الغالب إلى فساد حال الزوج وحال الزوجة، ويحصل الفراق والنكد العاجل، وتشتت أمرهم بعد جمعهم، وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع؛ فإن خلا منه وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان، وسلم مِن كل ما تقدم ذكره، فهو بدعة بنفس نيته فقط؛ لأن ذلك زيادة في الدين وليس مِن عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه نوى المولد، ونحن تبع فيسعنا ما وسعهم ".

ملاحظة: أشار السيوطي إلى أن ابن الحاج بدأ كلامه باستنكار ما يكون في المولد مِن منكراتٍ، واستحسان زيادة الطاعات في شهر ربيع الأول، ثم عاد فقال: "وعلى فرض أنه خلا مِن المنكرات؛ فهو بدعة"، وهي عبارة مشعرة بنوعٍ مِن التناقض مع صدر الكلام، وبيَّن أنه لو أردنا الجمع بيْن أول كلامه وآخره فلابد وأن تحمل البدعة هنا في كلامه على البدعة الحسنة.

قلتُ: والأقرب أن كلامه الأول مِن استحباب تخصيص شهر ربيع الأول بطاعاتٍ هو نوع مِن التجاري مع مَن سوَّغ البدعة بهذه الذريعة ثم قلب احتفاله زمرًا وطبلًا، فكأنه جاراه ليستنكر عليه الهيئة التي يفعلعها ثم بيَّن له أن تلك الهيئة التي ادعاها ولم يلتزم بها، لو التزم بها لكانت أهون مما يفعلون، ولكنها في ذاتها بدعة.

وعلى أية حال فالمقصود هنا: بيان اتفاق الجميع على إنكار صورٍ نرى أنها صارت هي الصورة الأكثر شيوعًا فيما يفعله الناس مِن حفلات في المولد، وربما كانت الصورة المشروعة لدى السيوطي قاصرة في واقعنا الآن على بعض الأمسيات التي تُعقد في بعض المساجد.

تنبيه حول موقف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

معلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ممَن يقولون بعدم المشروعية، ولكن انظر إلى سعة أفقه في تعامله مع مَن خالفه رغم شدة عباراته أحيانًا في تقرير السُّنة وذم البدعة، وانظر إليه حينما يعامِل المخالِف لتعرف حقيقة دعوى اتهامه بأنه مسؤول عن فكر "داعش" والتكفير، إلى آخره!

وقارن بيْن كلامه -رحمه الله- وبيْن كلام كثيرٍ ممَن يصفه بالداعشية، وانظر إليهم وهم يرهبون كل مَن خالفهم في شأن مشروعية المولد؛ لتعلم أي الفريقين أولى بأن يوصف بالحلم وسعة الصدر، ومحاولة لم شتات الأمة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية