تأملات في حجة الوداع (19)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وقد نَقَل العلماء الإجماعَ على تقديم الأم على الأب في البر، وكذلك تقديم مَن كان في جهتها على مَن كان في جهة الأب، فتُقَدَّم الخَالَةُ على العَمَّة، والخَالُ على العَمِّ، وتُقَدَّم الجَدَّاتُ مِن قِبَل الأم كذلك.
وسُئل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: ( زَوْجُهَا )، فسُئل: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: ( أُمُّهُ ) (أخرجه النسائي في السنن الكبرى والحاكم والبزار، وحسنه المنذري) .
وعن عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ( جَاءَتني مِسْكِينَةٌ تَحْمِل ابْنَتَيْن لَهَا، فَأَطعمتُهَا ثَلاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلى فِيها تَمْرةً لتَأكُلهَا، فَاسْتَطعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أَنْ تأْكُلهَا بيْنهُمَا، فأَعْجبني شَأْنها، فَذَكرْتُ الَّذي صنعَتْ لرسولِ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "إنَّ اللَّه قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجنَّةَ، أَو أَعْتقَها بِهَا من النَّارِ ) (رواه مسلم) ، وذكره النووي في رياض الصالحين في باب مُلَاطَفَة اليتيم والبنات وسائر الضَّعْفَى، وعنها قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) ، وهذا يشمل البنت الواحدة، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أمر الصلة: ( أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَاكَ؛ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ ) (رواه أبو داود، والبخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني) ، فدَلَّ على تقديم الأخت على الأخ في الصلة؛ ومنه يؤخذ تقديم النساء عمومًا مِن الخَالَات والعَمَّات والجَدَّات، على غيرهن مِن الأقارب الرجال.
أفَبَعْدَ كُلِّ هذا يأتي زنديق ومنافق يُظْهِر النفاقَ الأكبر ويُبْطِلُ انتسابَه للإسلام؛ فيزعم أن الإسلام ظلم المرأة، وضَيَّعَ المساواةَ الواجبة بينها وبيْن الرجل في الميراث؟!
ويريد إلغاء القواعد الشرعية مِن القوامة والوِلَاية، ويبيح باسم الحرية كل الفواحش مِن زنا ولواط وسحاق، ويُلغي تجريمها ويسمونها الحرية الجنسية، وحقوق المثليين، وشرعوا لهم الزواج المدني -رجل برجل، وامرأة بامرأة!-؛ وما ذاك إلا لِعَمَى القلوب وطمس البصائر! نعوذ بالله مِن ذلك.
فمِن أظْلَمِ الظلم وأَبْيَنِ الجهل وأقبح القبيح وأعظم الوقاحة والجراءة: أن يَعترض مَن لا نسبة لِعِلْمِه إلى علوم الناس حوله، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل، التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين عليه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ، ويقدح في حكمته، ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما شرعه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وسَبَقَ به عِلْمُه، أو غير ما جرى به قَلَمُه -عَزَّ وَجَلَّ- في اللوح المحفوظ، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك فسبحان الله رب العالمين؛ تنزيهًا لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله، عما لا يليق به مِن كُلِّ مَا نَسَبَه إليه الجاهلون الظالمون!
إن المُجَاهَرَة بهذا الكفر والنفاق، أو قبوله في مجالس المفاوضات مع الغرب، ومحاولات استجلاب رِضَا الغرب الكافر في هذه الأمور؛ مُحَادَّةٌ لله ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا . فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:60-65) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:20-21) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) ، وقال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) .