شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (23)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

فيا أيها القادة، ويا أيها الملوك والرؤساء والأمراء، وقادة الجماعات والطوائف؛ اقتدوا بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في إدراكه لآلام الخلق والشفقة عليهم، ووسِّعوا عليهم عندها والطُفُوا بِهِم؛ يوسِّع الله عليكم ويلطف بكم، وزيدوا في الرحمة بالضعيف والعاجز عن التعبير، وتوصيل صوته وشكواه.

وقوله -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"، قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَأَمَّا الْمُزْدَلِفَةُ فَمَعْرُوفَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنَ التَّزَلُّفِ وَالِازْدِلَافِ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إِذَا أَفَاضُوا مِن عرفات ازدلفوا إليها -أي: مضوا إليها وتقربوا مِنْهَا-، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَجِيءِ النَّاسِ إِلَيْهَا فِي زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ -أَيْ: سَاعَاتٍ-، وَتُسَمَّى جَمْعًا؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مِنَ الْحَرَمِ.

وفيه مِن الفوائد: أَنَّ السُّنَّةَ لِلدَّافِعِ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَيَكُونُ هَذَا التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٍ أَنَّهُ يَجْمَعُ بِسَبَبِ النُّسُكِ، وَيَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَمِنًى وَغَيْرِهِمْ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ جَمَعَ بِسَبَبِ السَّفَرِ فلا يجوز إلا لمسافرٍ سفرًا يبلغ به مَسَافَةَ الْقَصْرِ -وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ قَاصِدَتَانِ-، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْجَمْعُ بِسَبَبِ النُّسُكِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (شرح النووي على مسلم، 8/ 187) .

وقد رجحنا أن هذا الجمع هو للنُّسُك؛ فيُشرع لأهل مكة وما حولَها؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يأمرهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، ولا أن يتموا صلاة العشاء.

قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ جَمِيعُ، ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَشْهَبُ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَّا مَنْ به أو بِدَابَّتِه عذرٌ؛ فله أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ) (شرح النووي على مسلم، 8/ 187) .

قلتُ: الصحيح -والله أعلم- أن الأصل وجوب الصلاة في المزدلفة، خصوصًا إذا رَجَّحْنَا أن ذلك للنسك؛ لكن إذا اشتد الزحام فهو بمنزلة العذر في الدابة أو في الشخص إذا خاف أن يفوت الوقت -وهو نصف الليل-؛ فعند ذلك يُصَلِّي المغرب والعشاء حيث أدركه ذلك، فيجمع ويقصر، وفاته الفضل، لكنه معذور؛ فلا إثم عليه، ولا دم عليه؛ لأنه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) .

قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ- في فوائد هذا الجزء مِن الحديث: "أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، بِأَذَانٍ لِلْأُولَى وَإِقَامَتَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ الْمَالِكِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْأُولَى وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ أَيْضًا للثانية، وهو مَحكِيٌّ عن عمر وابن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: أَذَانٌ وَاحِدٌ وَإِقَامَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَوْلٌ أَنَّهُ يُصَلِّي كُلَّ وَاحِدَةٍ بِإِقَامَتِهَا بِلَا أَذَانٍ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ يحكى أيضًا عن ابن عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (شرح النووي على مسلم، 8/ 188) .

والصحيح في ذلك: أن يفعل كما فعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما رواه جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أن يصلي بأذان واحد وإقامتين، لكل واحدة إقامة.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَأَمَّا قَوْلُهُ: "لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا" فَمَعْنَاهُ: لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا نَافِلَةً، وَالنَّافِلَةُ تُسَمَّى سُبْحَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى التَّسْبِيحِ، فَفِيهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْجَمْعِ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ شَرْطٌ، أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى فَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ" (شرح النووي على مسلم، 8/ 188) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية