شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قطاع غزة تحت حكم حركة حماس

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وشهدت هذه الفترة حالة مِن الاستقطاب السياسي والاجتماعي بوجود وزارات ومقرات أمنية للسلطة الفلسطينية وفتح، ووجود تشكيلات عسكرية ومؤسسات مدنية تابعة لحماس، وكان لفتح فصائل تدور في فلكها، ولحماس فصائل منجذبة إليها، مع حالةٍ مِن الانفلات الأمني خاصة في قطاع غزة.

شاركت حماس في انتخابات يناير 2006م التشريعية تحت شعار: (الإصلاح والتغيير)، في ظل تراكم السخط الشعبي على السلطة الفلسطينية بقيادة فتح، وانسداد آفاق التسوية السياسية المبنية على المفاوضات فقط، والتي لم تؤدِ إلا إلى مضاعفة الاستيطان الإسرائيلي، وبناء الجدار العازل، وتهويد القدس، وعزل الفلسطينيين داخل كنتونات.

شاركت حماس رغم أن الانتخابات كانت -كانتخابات 1996م التي لم تدخلها حماس- تحت سقف اتفاق أوسلو، ولسلطة حكم ذاتي محدود، وكانت التوقعات فوز فتح بالانتخابات ودخول حماس كحزبٍ معارضٍ، فتنتهي حالة التشرذم والانفلات الأمني، وتستقر الأمور، وتنتهي حالة الازدواجية في التنافس على الحكم، ولكن فازت حماس بالأغلبية لتصبح هي الحزب الحاكم، وتصبح فتح هي حزب المعارضة، وهو ما كان صعبًا على قيادات فتح تقبله.

حكومة حماس:

مع تشكيل حماس لحكومةٍ خالصةٍ مِن أعضائها برئاسة (إسماعيل هنية) بعد مقاطعة الكتل البرلمانية الأخرى للحكومة، للاختلاف حول البرنامج السياسي لحماس، ورغم تسلم الوزراء الجدد للوزارات رسميًّا، فقد ظلت الأمور مِن الناحية العملية لوكلاء الوزارات والمديرين العامين في كل وزارة، وظلت مفاتيح الأجهزة الأمنية في يد قادة هذه الأجهزة، بقراراتٍ مِن قيادات فتح، وكأن التغيير في الشكل لا المضمون، إذ لم تستوعب حركة فتح تحولها إلى حزب معارضة، ومع تطلع حماس للقيام بشئون الحكم تكونت حالة مِن الاحتقان والتوتر، وتصاعد الانفلات الأمني، وظهر الصراع بيْن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية حول صلاحيات كل منهما.

وفي الوقت الذي جرى فيه تدريب وتسليح لعناصر فتح الأمنية تحت إشراف دولي -أمريكي تحديدًا- كانت حماس تشكِّل (القوة التنفيذية) مِن خلال كتائب عز الدين القسام، والتي تخضع مباشرة لوزير الداخلية في حكومة حماس.

وقد استطاعتْ حماس مواجهة أجهزة فتح الأمنية وتحصين ذاتها، وتصعيد نفوذها، ورغم توقيع الطرفين على (اتفاق مكة) في 8 فبراير 2007 م، وتشكيل هنية لحكومةٍ وحدةٍ وطنيةٍ جديدةٍ، تضمن برنامجها احترام الاتفاقات الدولية الموقعة مِن السلطة الفلسطينية مِن قبْل، وإدانة العنف، فلم تتوقف حالة التدهور والاقتتال المحدود والتزاحم على الصلاحيات، فقررت حماس القيام بضربة استباقية -اعتبرتها اضطرارية لا اختيارية- لحسم الخلاف بالقوة بالسيطرة على المقرات الأمنية والوزارية والإدارية المختلفة في قطاع غزة في الفترة مِن 9 إلى 14 يونيو2007 م، بما اعتبرته فتح انقلابًا عسكريًّا على السلطة.

لقد آل الاحتكاك الثنائي بيْن رؤية حماس -والتي أطلق عليها: (الإسلام السياسي)-، والتي أعطت نموذجًا له علاقة بالمقاومة والصمود والبُعد عن الأهواء الشخصية، ورؤية فتح -والتي أطلق عليها: (الوطنية العلمانية)-، والتي شابها سوء الإدارة والانحراف والاستغلال مِن رموز الحكم فيها، إلى الصراع والاشتباك بيْن الطرفين، وقد أبدت حماس مرونة سياسية في وثيقة القاهرة في مارس 2005م، وفي اتفاق مكة في فبراير 2007م الذي استند إلى وثيقة الوفاق الوطني، ولكن كان لغياب المرجعية الواضحة المتفق عليها للنظام السياسي الفلسطيني أثره في إمكانية استبدال وتغيير هذه المرجعية كلما جاء إلى السلطة حزب سياسي جديد، في ظل انتخابات دورية تقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة.

لقد أخطأت فتح حين لم تقبل التداول السلمي للسلطة بناءً على نتائج الانتخابات، وأخطأت حماس باستخدام القوة والعنف لحسم الخلاف بينهما، فآلت الأمور إلى انقسامٍ سياسيٍ وجغرافيٍ تسيطر فيه حماس على قطاع غزة، وتسيطر فيه فتح على الضفة الغربية.

حكومتان في وقتٍ واحدٍ:

سارع عباس (أبو مازن) إلى إقالة حكومة إسماعيل هنية، وتشكيل حكومة تسيير أعمال برئاسة (سلام فياض) في الضفة الغربية، واشترط اعتذار حماس عما قامتْ به والعدول عنه لعودة الحوار معها.

أصدرت حكومة فياض تشريعات وقوانين تستهدف حركة حماس، تتعلق بالجمعيات الأهلية والخيرية التابعة لها، مع الاعتقالات السياسية لقادة الحركة وكوادرها بالضفة، وقامتْ حماس بسلسلةٍ مِن الإجراءات للسيطرة على المقرات الأمنية والبنية الإدارية لمنظمة فتح في غزة، وللسيطرة على الجهاز القضائي أقالت حماس النائب العام ومجلس القضاء الأعلى، وعينت نائبًا وهيئة قضائية عليا تابعة لها.

حمسنة قطاع غزة:

اعتبرت حماس أن حكومة هنية هي الحكومة الشرعية، ومع استقالة بعض وزراء الحكومة مِن الفصائل الأخرى المشاركة، بدعوى أنها حكومة غير شرعية، زادت حماس مِن عدد أعضاء حكومتها بصورةٍ منفردةٍ، وقامت في فترة قصيرة بتعيين نحو 30 ألف موظف في المرافق الوزارية، ونحو 25 ألف في المرافق الأمنية، ونحو 7 آلاف معلم جديد، رغم صعوبة توفير حماس الرواتب لهم، وقد اتسمت هذه التعيينات في غالبها بطابع الولاء لحركة حماس، وتقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة، وكانت حكومة فياض قد طالبت العاملين والموظفين بعدم مزاولة العمل تحت سيطرة حماس مع تحملها لمرتباتهم، وفصلت عشرات الألوف ممَن فضَّلوا الاستمرار في العمل، مما سهل على حماس إحلال موظفين موالين لها، ولكن ترتب عليه فقد الخبرات والمهارات التي كانت متوفرة في الكوادر القديمة، وفي المقابل جرت حالات إقصاء وظيفي في الضفة بمنع توظيف أعضاء حماس والمقربين منها.

ونظرًا لوجود عددٍ كبيرٍ مِن أعضاء المجلس التشريعي رهن الاعتقال -حوالي 45 نائبًا- ابتدعت حماس لتفعيل المجلس وسيلة التوكيل، التي يقوم فيها النائب المعتقل بتوكيل زميله النائب داخل المجلس عنه، فيتم ضمان النصاب القانوني الذي كان معطلًا بسبب الاستقطاب السياسي بيْن فتح وحماس.

الصفحة السابقة الصفحة التالية