تأملات في حجة الوداع (27)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
والاحاديث دليل على مشروعية حلق الرأس أو تقصيره، وقد قال بركنيته كثيرٌ مِن أهل العلم، وهذا ظاهِرٌ، ومنهم مَن قال بوُجوبه، ومنهم مَن ذَهَبَ إلى أنه ليس بنُسُكٍ، بل هو تحليل محظور، والجمهور ذهبوا إلى أنه نُسُكٌ، خلافًا لعطاء وأبي يوسف ورواية عن أحمد وبعض المالكية والشافعي في رواية عنه ضعيفة، والصحيح أنه ركن؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ ) (رواه مسلم) ، وقد حلق رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ فالأصل في ذلك الركنية، وهذا في حق الرجال؛ وأما النساء فليس عليهن حلق؛ وعليهن التقصير؛ لحديث ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وعن ابن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَبَّدَ رَأْسَهُ وَأَهْدَى، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَمَرَ نِسَاءَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ؛ قُلْنَ: مَا لَكَ أَنْتَ لَا تَحِلُّ؟ قَالَ: ( إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي، وَلَبَّدْتُ رَأْسِي؛ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ حَجَّتِي، وَأَحْلِقَ رَأْسِي ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .
قال مجد الدين ابن تيمية: "وهو دليلٌ على وجوب الحلق، والحديث رواه أحمد، وقَوَّى إسنادَه البخاريُّ في التاريخ، وحَسَّنَهُ الحافظُ ابن حجر".
وبِحَلْق الشَّعر أو تقصيره يَحِلُّ كلُّ شيء إلا النساء حتى يطوفَ بالبيت، عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ" (متفق عليه) ، وللنسائي: "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ"، والحديث الأول عن عائشة يُفَسِّر الثاني؛ فهو لم يطيَّب بعد جمرة العقبة مباشرة، وإنما بعد أن نَحَر هَديه وحَلَق رأسَه، وهنا تَطَيَّب؛ وليس كما يظن البعض أن برمية الجمرة دون الذبح ودون الحلق يحل له كل شيء، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- : ( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (البقرة:196) ، ومَحِلّه يوم النحر بالذبح فيه، والله أعلى وأعلم.
قوله: "ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ": فيه دليلٌ على استحباب الركوب مِن مِنَى إلى مَكَّة لطواف الإفاضة.
قال النووي -رَحِمَهُ اللهُ-: "هَذَا الطَّوَافُ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ عِنْدَنَا مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَأَفْضَلُهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَذَبْحِ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ؛ وَيَكُونُ ذَلِكَ ضَحْوَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ يَوْمِ النَّحْرِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَلَا يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، وَلَا آخِرَ لِوَقْتِهِ؛ بَلْ يَصِحُّ مَا دَامَ الْإِنْسَانُ حَيًّا؛ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ حَتَّى لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ قَبْلَ الْوُقُوفِ ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَى الْوُقُوفِ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ إِذَا كَانَ قَدْ رَمَلَ وَاضْطَبَعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَلَوْ طَافَ بِنِيَّةِ الْوَدَاعِ أَوِ الْقُدُومِ أَوِ التَّطَوُّعِ وَعَلَيْهِ طَوَافُ إِفَاضَةٍ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَحَجَّ بِنِيَّةِ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُجْزِئُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ بِنِيَّةِ غَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَهُ أَسْمَاءٌ؛ فَيُقَالُ أَيْضًا: طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَطَوَافُ الْفَرْضِ وَالرُّكْنِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا طَوَافَ الصَّدْرِ وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ؛ قَالُوا وَإِنَّمَا طَوَافُ الصَّدْرِ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (شرح النووي على مسلم 8/ 192 - 193) .
قلتُ: والذي يظهر أنه يلزمه أن يأتي بطواف الإفاضة قبْل انسلاخ ذي الحجة، والراجح قول مالك أنه إذا أَخَّرَه عن ذي الحجة -الذي هو مِن أشهر الحج- كاملًا، فإن عليه دم، ولكن لا يبطل حجه ما أتى به قبْل أن يموت.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ": فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي أَحَادِيثَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ مِنْ حديث ابن عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى بِأَصْحَابِهِ حِينَ سَأَلُوهُ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِالظُّهْرِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بِمِنًى.