شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حزب النور ومقترحات التعديل الدستوري

جمال متولي • قضايا معاصرة

صحيح كان هدف المعارضة مِن الإلحاح على مبارك في تعيين نائب له هو قطع الطريق على توريث الحكم لابنه جمال -كما كان مزمعًا حينذاك-، لكن يظل المبدأ أن استحداث هذا المنصب في الدستور خطوة لا يمكن اعتباراها شرًّا محضًا (مع الأخذ في الاعتبار أن هناك بعض الأصوات التي تعتبر أن استحداث هذا المنصب الآن، يعني توريثًا للحكم متسترًا للنائب الآتي)، ولكن يظل مثل هذا التخيل بعيدًا في ظل وجود انتخاباتٍ حقيقيةٍ، وصناديق انتخابية يتم فرزها في مكان التصويت، وليس استفتاءً على رئيس الجمهورية، كما كان في العهود السابقة على الثورة المجيدة؛ فضلًا عن كون هذا المنصب كان منصوصًا عليه في الدساتير المصرية المؤقتة والدائمة منذ حركة الضباط الأحرار في 52 وحتى الإعلان الدستوري الصادر في 13 فبراير 2011م الذي عطل العمل به، قبل أن يتم إلغاؤه عقب الاستفتاء على دستور مصر الحالي، والصادر في 18 يناير 2014م.

وفي رأيي الشخصي: إن وجود نائب لرئيس الجمهورية قد يكون مفيدًا بحقٍّ؛ خاصة لو أن الرئيس -أي رئيس- فوَّض نائبه تفويضًا حقيقيًّا في بعض الاختصاصات الرئاسية المهمة؛ إذ إن هذه النيابة مِن الأهمية بمكانٍ، وليست منصبًا شرفيًّا كما يتصور البعض، اللهم إلا إن جعله الرئيس وقتذاك مجرد سد خانة.

أما المادة (140) التي تنص على تعديل مدة الرئاسة مِن أربع سنوات إلى ست سنوات، فإن مثل هذا التعديل بعيد عن المادة الانتقالية بالطبع، مع التذكير بأن المادة 226 مِن الدستور لا تمنع ولا تحظر تعديل مدة الرئاسة، لكنها تمنع إعادة انتخاب الرئيس لأكثر من مدتين، ومن المؤكد أن هذا قابل للنقاش؛ إذ إن الحديث منحصر هنا عن مدة الرئاسة، وليس عن عدد ولايات الحكم.

ونحن نتفهم جيدًا ونعرف حساسية تلامس التعديلات ولو للمدة الواحدة للرئاسة؛ إذ إن تحديدها بأربع سنوات هو واحد مِن مكتسبات ثورة 25 يناير.

والست سنوات على وجه الخصوص ذات سمعة سيئة لدى المواطن المصري؛ إذ إنها المدة التي تم تحديدها بعد حركة 52 لتناسب الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" آنذاك وبقيت حتى الثورة، وكان ما بين ذلك تتأرجح بين ولاية تفصلها عن لاحقتها للرئيس الواحد مدة مماثلة خارج الرئاسة كما كان في دستور 71، وولايات مفتوحة العدد في دستور 80؛ ليستفيد منها الرئيس "السادات"، ولم يحصل له ذلك، واستفاد منها مبارك.

أخطر ما في مقترحات التعديلات:

وبما أننا اخترنا بعضًا مِن مقترحات تعديل الدستوري وأخضعناها للمناقشة، وقلنا: إنه -على الاقل في رأينا- يمكن مناقشة بعض مِن هذه التعديلات، وهناك تعديلات أخرى يستحيل تمامًا مناقشتها؛ لأنها -ومِن دون مواربة- تصطدم مع هوية الشعب المصري وثوابته بشكلٍ مباشرٍ.

ومِن هذه المقترحات: هذه الكلمة اللقيطة المسماة: بـ"مدنية الدولة" التي تم -أو يتم- إقحامها وحشرها داخل المادة 200 - الفقرة الأولى من مقترحات التعديل، وبشكل اختار مقترحوها أن يكون منزويًا داخل التعديل الخاص بالمؤسسة العسكرية التي تحتل في نفوس وقلوب المصريين مكانة اعتزاز وفخر؛ ليتم تمريرها بهذا الانزواء، وكأنهم يتوارون ويتترسون بدرع الشعب (قواته المسلحة) خوفًا مِن ردة الشعب عليهم؛ إذ يعلمون أن الشعب المصري لن يَخيل عليه مثل هذا التلاعب بإقحام وحشر الكلمات التي لا هدف مِن ورائها إلا طمس هويته والاعتداء بها على ثوابته الوطيدة.

والنص المقترح يقول: "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب، وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هي التي تنشئ هذه القوات، ويحظر على أي فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية".

ونحن في حزب النور حينما نقول: إن (مدنية الدولة) تعبير لقيط؛ فذلك لأنه بالفعل لا يوجد في قواميس المصطلحات السياسية الموثقة والعلمية مثل هذا المصطلح على الإطلاق.

وحينما نرفض هذه الكلمة فلا يمكن أن يزايد علينا أحدٌ؛ فإننا مِن أشد أنصار تحديث الدولة وإدارتها بالأسلوب العلمي الرصين الذي يعمل على تطويرها في كل مناحي الحياة في إطار هويتها الأصيلة المتمثلة في مرجعيتها فوق الدستورية، وهي أن دين الدولة: "الإسلام، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع فيها"، وإنما نرفض كلمة مدنية؛ لأنها مِن الناحية العلمية لا دلالة لها محددة، ولا معلوم لها معنى يمكن أن نسير عليه ونقول إنه المقصود بمدنية الدولة!

وبعد جهدٍ جهيدٍ في البحث والتنقيب عن مدلول مدنية الدولة في العلوم السياسية وفشل الحصول على هذا المصطلح الغريب داخل مراجعها، قمتُ بسؤال بعض مِن أساتذة العلوم السياسية والخبراء السياسيين عن مدلول الكلمة أو المصطلح -إن جاز لنا أن نسمي مدنية الدولة مصطلحًا!-.

وكانت الإجابة الأشمل مِن السيد الدكتور خبير العلوم السياسية "عمرو هاشم ربيع" -نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، وهو أعرق مركز دراسات في الشرق الأوسط- نصًّا هي: "لا نستطيع أن نقول: إن مدنية الدولة لها معنى محدد نستطيع أن نفسِّر ونفكك به الكلمة، بل هي من الكلمات المطاطة شديدة المرونة التي مِن السهل أن يستخدمها ويطوعها كلُّ مَن يريد أن يستخدمها، فرجال الدين يمكنهم أن يستخدموها في نظامهم مدعين أنها تعني أن الدولة ليست عسكرية. والسياسيون يمكنهم أن يستخدموها في نظام الدولة مدعين أن مدنية الدولة تعني فصلها عن الدين، وجيشها بعيد عن السياسة فيها.

والعسكريون يمكنهم أن يستخدموها في نظامهم مدعين أنها تعني عدم حكم رجال الدين، وهكذا... تعبير مطاط -وليس مرنًا-، وليس له تفسير تستطيع أن تقول هذا هو التفسير المحدد للكلمة".

الاعتداء على الشريعة باسم مدنية الدولة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية