الفساد (7)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويقول د.عبد الكريم زيدان أيضًا: "وقيام المجتمع الصالح ضروري للفرد؛ لأن المطلوب مِن المسلم تحقيق الغرض الذي خُلق مِن أجله وهو عبادة الله وحده، قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس على وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، والمسلم لا يستطيع أن يصوغ حياته هذه الصياغة الإسلامية إلا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه منظمًا على نحو يسهل عليه هذه الصياغة، أي أن يكون مجتمعًا إسلاميًّا صحيحًا".
3 - إن عاقبة الفساد وانتشاره سيعاني منها الجميع حتى مَن لم يشارك فيه ويمارسه؛ إذ إن تردي المجتمع الفاسد يهوي بكل مَن فيه، ويتحمل مَن لم يشارك أو يمارس الفساد هذه العاقبة لكونه لم يحاول بجدٍّ ويسعى بقوة مع المصلحين؛ لمقاومة هذا الفساد وانتشاره.
قال -تعالى-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال:25) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب أي يصيب الصالح والطالح، وفي الحديث عن زينب بنت جحش -رضي الله عنها- سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ( نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخُبْثُ ) (متفق عليه) .
وقد جاء في قصة أصحاب السبت في سورة الأعراف قوله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (الأعراف:164-165) .
فقد كان أهل هذه القرية التي شهدت هذه القصة على ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعصية، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم؛ لم تفعل المعصية معهم، ولكنها لم تنهاهم عنها، بل عاتبت الفرقة التي أنكرتْ: ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا )، أي لا داعي للإنكار عليهم فقد أهلكوا أنفسهم واستحقوا بمعصيتهم العقوبة مِن الله، فقالت لهم الفرقة الناهية المنكرة: ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ )، أي تقديم ما يوضح عذرنا عند الله بالقيام بأداء أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا نملك إلا هذا، ( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ): ولعل هذا الإنكار عليهم يعيدهم إلى ربهم.
وجاءت النهاية بنجاة هؤلاء الذين نهوا عن المنكر، ووقوع العذاب والعقوبة على العاصين، فكان النهي عن المنكر سببَ النجاة مِن العقوبة الجماعية مع الفاسدين.
وفي حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ) (رواه البخاري) . وحدود الله: ما نهى الله -تعالى- عنه. والقائم في حدود الله: المنكر لها القائم على دفعها وإزالتها. واستهموا: أي اقترعوا.
وفي حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) (رواه مسلم) .
قال النووي -رحمه الله-: "معناه: مَن كرِه بقلبه ولم يستطع إنكارًا بيدٍ ولا لسان، فقد برئ مِن الإثم وأدَّى وظيفته، ومَن أنكر بحسب طاقته فقد سلم مِن المصيبة، ومَن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي" (شرح النووي على مسلم) .
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ) (رواه مسلم) .
وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .
4- استحقاق مَن هادن الفاسدين للعن: