مصادر القلق مِن مراجعات "القرني"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
فنؤرخ لبدايات هذه الصحوة بسبعينيات القرن العشرين، وستكون الصحوة الإسلامية المصرية السلفية أسبق مِن خروج الإخوان مِن السجن ثم خروج الإخوان، ثم مرحلة العمل المشترك ثم انفصال الدعوة السلفية في عام 1977م، وكل هذا قبل الثورة الإيرانية، بل قامت الثورة الإيرانية والدعوة يومئذٍ قائمة، وكان لها موقف معلن خالفت فيه الإخوان، ونالت نصيبها مِن تشهير الإخوان وبغيهم مِن جراء هذا الموقف -كما هو معلوم-.
وأيضًا: حدثت "فتنة جهيمان" والدعوة قائمة، وكان لها موقفها الواضح والصريح في مسألة ادعاء المهدية بصفةٍ عامةٍ، ومسألة الجهيمان بصفةٍ خاصةٍ.
- وسيكون ظهور الصحوة السعودية متأخرًا بعض الشيء عن الصحوة المصرية، والذي يرجع مَن أرخ لها بعام 1979م، ويقولون: إن الحكومة السعودية هي مَن دفعت في هذا الاتجاه؛ لإيقاف تيار الغلو الذي مثَّله الجهيمان، وللتوازن مع تصدير المد الثوري الشيعي.
- وحتى لو صحَّ هذا؛ فهذا أمر لا يشين أي دعوة قطعًا، فان الداعية لا ينبغي أن يبحث عن المتاعب والصدام، بل ينبغي العكس، والإنكار منصب على هؤلاء الدعاة الذين وجدوا ترحيبًا مِن الدولة أو -على الأقل- احتضنتهم هيئة كبار العلماء وشفعت لهم في كل خطأ ارتكبوه، ونزعت فتيل الأزمة بينهم وبين النظام في كل واقعة، ومنها: "حرب الخليج" التي يرقى ما فعله هؤلاء الدعاة فيها إلى أن يكون عصيانًا مدنيًّا ممزوجًا ببغي وتنكر للجميل للمشايخ! ومع هذا ما زال المشايخ بهم حتى مروا مِن الأزمة!
- كما أن هذا لا يشين الحكام؛ فالأصل أن يسعى الحاكم إلى ترسيخ هوية شعبه واسترداد ما شُوه منها؛ لا سيما بعد فترات الاحتلال، فإن فعل هذا لمجرد هذا الغرض فهذا هو الأصل، وإن تراخى في فعله حتى وجد أن هناك مصلحة ملحة تفرض عليه هذا؛ فلا حرج أيضًا، فهو في النهاية قد فعل ما ينبغي عليه فعله.
- ولا يرى خطأ هذا الأمر إلا مَن يريد أن ينقلب على هوية الأمة وثقافتها، أو مَن يعمم الخطأ ويرى أنه إذا أخطأت مجموعة أو أخطأ جيل، فإن الأمة ككل يمكن أن تُعاقَب بحرمانها مِن هويتها عقابًا لجماعةٍ أو تنظيمٍ!
- ويمكن أن نرجع قليلًا قبل ذلك، إلى عشرينيات القرن العشرين، وعصر الجمعيات الخيرية، مثل: "الشبان المسلمين"، و"الجمعية الشرعية"، و"أنصار السنة المحمدية"، و"الإخوان المسلمين"، هكذا بحسب تاريخ التأسيس إلا أن الإخوان بلا شك أضافت أبعادًا تنظيمية أعلى بكثيرٍ جدًّا مِن أي جمعية خيرية سابقة عليها أو معاصرة لها.
- ولو أردنا أن نرجع أكثر فيمكن أن نرجع إلى عصر صحوة أيضًا، ولكن يختلط فيه السلفي بالعقلاني في القرن التاسع عشر، عبْر محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وابن باديس، وغيرهم.
- فإذا رجعنا إلى الوراء قرنًا آخر من الزمان، نجد أن الأستاذ محمود شاكر يؤرخ للصحوة بالقرن السابع عشر الميلادي، وتزامن ظهور مصلحين متنوعي الاهتمامات ومختلفي البلدان، أبرزهم: (الإمام محمد بن عبد الوهاب الذي اهتم بالإصلاح العقدي، والشوكاني الذي حارب التقليد والجمود وأعاد للدليل هيبته، والزبيدي في علوم اللغة، والجبرتي الكبير الفقيه الحنفي الذى ترك الفقه وتعلم أصول الصناعة ليحاول سد الثغرة التي اكتشفها مبكرًا مِن أن سرَّ هزائم المسلمين أمام الأوربيين أنهم تقدموا عنا في الصناعة والسباكة (وبالطبع كانت أصول هذه العلوم في ذلك الوقت محدودة، ويمكن لعالم نابه: "كالجبرتي" أن يتقنها متى فرَّغ نفسه لها، وقد كان).
بيان حقيقة تيار الصحوة الذي يعتذر الدكتور عائض باسمه:
بيَّنَّا أن الدكتور القرني قد ترك باب اللبس قائمًا بين الصحوة التي يعتذر باسمها، وبين الصحوة بمعنها العام، وفي الواقع: إن هذا امتداد لأطروحة زرعها السروريون؛ فأنتَ ترى أنهم كيان منظم وأن لهم قراراتهم، فمثلًا: يحضرون مع الشيخ ابن باز ثم يخرجون مِن عنده فيدبرون أمرًا آخر، ويعطون المذكرة للملك ثم يقررون إذاعتها في الإعلام، وبالتالي كان ينبغي عليهم أن يختاروا اسمًا علمًا لهم.
وهذا هو الصواب: أنه متى وجد كيان منظم أن يتسمى باسمٍ يكون علمًا عليه، لا مِن باب التحزب المذموم أو العصبية الجاهلية، وإنما مِن باب أن هذا الكيان طالما سيتصرف تصرفات جماعية ويصدر بيانات جماعية، فالجميع سوف يتفاعل مع هذا موافقة او مخالفة، ومِن العسير جدًّا أن تتحدث عن كيانٍ ما بوصف، وإنما تحتاج اسمًا علمًا تستعمله للدلالة عليه، ولكن القوم قالوا نكتفي باسم أهل السُّنة والجماعة أو بوصف الصحوة، وهذا كان له غرض أن يسهل عليهم استقطاب غيرهم.
وعلى أي لن نقف أمام هذا كثيرًا، ولكن -للأسف- نحن وقعنا الآن فيما هو أشد حيث جاء اعتذاره عن السرورية بالاسم الأشمل الذي يعتز به معظم المسلمين، وهو الصحوة الإسلامية"؛ إلا أنه ذكر في مواضع خصائص تدل على مقصوده:
- ذكر في موضع أنهم الـ 25 شخصًا الذين وقَّعوا على وثيقة النصيحة في عام 1991م.
- ذكر أن بعضهم مستقل وبعضهم إخوان، وبعضهم سروري (لأول مرة يظهر بجلاء استعمال مصطلح سروري لرمزٍ مِن رموز هذا التوجه).
وعمومًا يغلب على هذا التوجه الخليط أن يسمَّى بالسرورية؛ لأجل أن الإخوان الخُلص لهم تنظيمهم، والمستقلون لا تنظيم لهم، فيبقى القطاع الأكثر برزوًا ووضوحًا في هذا التنظيم هم السرورية.
- ذكر أيضًا خصائص فكرية تميز الاتجاه السروري، بل وتضم الجناح القطبي في السرورية أيضًا، منها: السمة العامة التي ذكرها عن الاتجاه أنه يسعى إلى مصادمة الحكام.
ومنها: أن هذا الاتجاه يهمِّش العلماء.