شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

لعل الإمام البخاري قد جمع ما يحتج به القائلون في القيمة، فقال في "صحيحه":

"بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ:

وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِأَهْلِ اليَمَنِ: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ -أَوْ لَبِيسٍ- فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَدِينَةِ"، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ".

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ" (صحيح البخاري) .

وقد أجاب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على بعض هذه الأدلة في فتح الباري فليراجع.

ونلخِّص الرد عليها مستفادًا مِن كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وغيره مِن العلماء في النقاط الآتية:

إن أثر معاذ -رضي الله عنه- منقطع؛ فإن طاوس لم يسمع مِن معاذ، وقد علَّقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح عنده عن طاوس، ولكن يبقى البحث فيما بعد طاوس، وتبين انقطاعه، وإذا تبين ضعف الأثر فلا حاجة في البحث عن دلالته؛ لا سيما إذا خالف الحديث الصحيح الذي يبيِّن أن فعل الصحابة في زكاة الفطر خاصة، كان إخراج الطعام كما في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَانِ النبي -صلى الله عليه وسلم- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ".

وأما مِن جهة الدلالة: فبعض أهل العلم يحمل الصدقة هنا على الجزية بناءً على أن رواية أخرى قد ذكرت أن هذا في الجزية، وبعض أهل العلم يحمله على أنه اجتهاد خاص مِن معاذ -رضي الله عنه-، وكل هذه الردود لا حاجة لها إذا كان الأثر ضعيف السند ومخالفًا لما هو أصح منه في ذات الوقت، ولو كان السند صحيحًا ربما اعتبر هذا الأثر مِن أقوى حجج القائلين بالقيمة.

تنبيه: ما يُقال عن أثر معاذ -رضي الله عنه- يُقال مِن باب أولى على أثر أبي إسحاق السبيعي: "أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام"، فهو غير ثابت سندًا، ومخالف لأثر أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه؛ فضلًا عن عدم القطع بمَن هؤلاء الذين "أدركهم يفعلون هذا" (على فرض صحة السند) بخلاف أثر أبي سعيد؛ فهو مِن كبار الصحابة، وقوله هذا لابد وأنه حكاية عن عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عصر الصحابة -على أقل تقدير-.

- وأما ما جاء في جواز أخذ سن غير السن الواجب مع تعويض هذا بعشرين درهم أو شاتين؛ فهو حجة لمذهب الجمهور؛ إذ إنه لم يبح هذا إلا للحاجة -وهي عدم امتلاك المتصدق للسن الواجبة عليه-، ثم إنها لم يُعدل عنها إلى القيمة، بل إلى أقرب شيء للواجب -ناقة تقارب التي وجبت عليه في السن-، ثم حتى لم يترك تقدير فرق بين الواجبة والبديلة إلى القيمة السوقية، وإنما قدره بتقدير تعبدي ثابت.

10- ألا يمكن أن يُقال: إن القيمة وإن لم يكن منصوص عليها؛ فهي في معنى المنصوص عليه، وبالتالي لا يحتاج القول بإجزائها إلى دليلٍ مستقل؟

بعض مَن يجوز القيمة يحتج بقوله -تعالى-: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً )، ويرى أن هذا يدل على أن الأصل مواساة الفقير وفقط، وهي تحصل بإخراج المنصوص عليه كما تحصل بالقيمة.

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال مِن بُعد، وفتح أبواب شرٍّ ربما تصل إلى إهدار فقه باب الزكاة برمته (وبالفعل توجد مؤلفات لبعض متطرفي تيار ما يسمَّى الإسلام العصري تصل إلى إلغاء كل الأنصبة والمقادير في الزكاة؛ انطلاقًا مِن هذه القاعدة!)، فثمة اتفاق على أن هذه الآية مجملة مثل قوله -تعالى-: ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) (البقرة:43) ، وأن الأمر المجمل بإيجاب الصلاة والزكاة قد أتى تفصيله في نصوص أخرى، وبالتالي لا يجوز التمسك بهذا المجمل وإهمال التفصيل؛ وإلا لجاز مثل هذا في الصلاة أيضًا!

وأما الزعم بأن القيمة تؤدي الغرض؛ فهو مبني على مَن لا يرى في الزكاة إلا جانب حق العباد، والصحيح أن معنى التعبد فيها ظاهر، فهي مما يجتمع فيه المعنيان، وبالتالي فالأصل فيها التوقيف؛ إلا إننا إن تجارينا مع التوجه الذي يميل إلى تغليب جانب المعاملة فيها فسوف نصطدم بأن الزكاة حق مقدر، لكنه لمستحقين متعددين يجوز أن يدفع إلى أي منهم، وبالتالي فإجراء أي مقايضة على هذا الحق لاستبداله غيره به هو نوع مِن التصرف في مال الغير بغير إذنه.

وهذا معنى لم يقف عنده كثير ممَن قال بالقيمة؛ مراعاة لمصلحة الفقير، فإن مِن آكد مصالحه أن يُحترم حقه المعلوم في مال الأغنياء، وأن يعلم في أنه حق وليس منحة، وأنه لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن صاحبه.

10- يتفرع على التعليل في الجزئية السابقة أن مَن يقول بقول الجمهور بعدم إجزاء القيمة يحتاج أيضًا إلى نظرة أكثر روية في ثلاث مسائل:

الأولى: ماذا لو دعت الحاجة إلى إخراجها قيمة؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية