مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الثانية: ماذا لو كان المتصدق يخرج زكاته بنفسه وعزم على أن يدفعها لفقير معين فعلم مِن حاله أن هناك بدلًا هو أنفع له، سواء كان نقودًا أو غيرها؟!
الثالثة: ما حكم أن يخرج المنصوص عليه، ولكن يعمل فيه عملًا، كأن يخرج صاع القمح مطحونًا أي يخرج الدقيق أو يخبز صاع الدقيق، ومِن أمثله في زماننا: إخراج صاع دقيق مصنع على هيئة مكرونة؟
وسوف نعالج كل واحدة مِن هذه المسائل الثلاث في النقاط الآتية:
11- ماذا لو دعتِ الحاجة إلى إخراج قيمة الزكاة بدلًا مِن المنصوص عليه (لا سيما في زكاة الفطر) أو طلب الفقير المعين مِن متصدقٍ عليه القيمة؟
يحتج بعض مَن يقول بالقيم في الزكاة عمومًا "وفي زكاة الفطر خصوصًا" بأن الحاجة قد دعت إلى هذا، وكثير ممَن يتكلم في المسألة يكون الراجح عنده حتى بدون الحاجة هو القول بالقيمة؛ ولذلك فالأوفق أن تبحث المسألة مِن حيث الحكم المجرد دون النظر إلى ما يُدَّعى مِن حاجات مستحدثة.
فإن انتهى الباحث إلى القول بجواز القيمة؛ لزمه أن يأتينا بالدليل على هذا، ولا بأس أن يضيف إلى هذا دليل المصلحة الطارئة مِن وجهة نظره، وأما إذا كانت الأدلة تبيِّن عدم جواز القيمة، ومِن ثَمَّ صارت المصلحة المدعاة هنا هي المناط الجوهري الذي يعولون عليه -الانتقال مِن الأصل الثابت إلى القيمة-، فتلك المصلحة يجب أن تُناقش هنا مناقشة علمية دقيقة.
ومِن أهم ما يجب مراعاته في ذلك: عدم التعليل بحاجاتٍ كانت موجودة في زمن التشريع ولم يعتبرها الشرع -بل نص على الطعام-؛ لأن هذه المصالح في هذه الحالة ستكون مِن باب المصالح الملغاة.
وهذا كمَن يقول: إن حاجة الفقير إلى النقود أعلى؛ لكونها مما يخف حملها ويسهل صرفها في أوجهٍ عديدةٍ -كالطعام وغيره-، فيُقال: إن الشرع مع وجود الدراهم والدنانير وشيوع التعامل بها عدل عنها إلى النص على الطعام، وأكَّد هذا ببيان أن الغرض مِن هذه الزكاة أنها "طعمة للمساكين".
وفي زكاة الأموال أيضًا: فإن للشرع حكمه في أن يواسَى الاغنياء الفقراء مِن جنس الأموال التي يتداولها الأغنياء، فإن كانوا أهل نقود جاءته نقود، وإن كانوا أهل زروع جاءته مِن زروعهم، وإن كانوا أهل أنعام جاءته مِن أنعامهم، وإن كانوا أهل تجارة جاءته مِن تجارتهم.
الحاصل: أن هذه الحجة التي يرددها معظم مَن يتكلم في هذه المسألة لا يحتاج مَن يقول بجواز القيمة ابتداءً إليها، ولا تصلح حاجة تبيح العدول عن المنصوص عند مَن لا يرون جواز إخراج القيمة؛ لكونها ليست حاجة طارئة عمت بها البلوى أو مصلحة استحدثت يراد البحث في اعتبارها.
وهذا ما انتبه إليه كثير ممَن يدلى بتلك الحجة، وبالتالي يضيفون إليهم معلومة تاريخية لا يسعفهم عليها التاريخ، ولا نصوص الشرع، وهي أن الأغلب في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت المقايضة، وبالتالي لم يرشد إلى الدراهم والدنانير.
والصحيح: أن التعامل بالدراهم والدنانير كان شائعًا معلومًا، وأن الشرع أمر بتوسيعه أكثر حينما ضيَّق نطاق المقايضة، ووضع عليها قيودًا في الأصناف الربوية، وجعل المخرج للناس هو أن يحولوا عملية المقايضة إلى عمليتي بيع بالدراهم والدنانير.
ورغم أن معظم مَن يقول بجواز القيمة مِن المعاصرين هم ممَن ينشغلون -جزاهم الله خيرًا- بالدفاع عن كمال الشريعة وحسنها أمام شبهات المستشرقين وأذنابهم؛ إلا أنهم يساهمون بمثل هذه التعليلات دون أن يدروا في إعطاء صورة سلبية عن حجم النضج البشري في التعاملات في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي صلاحية الشريعة التي أتى بها في أن تحكم التعاملات التي استحدثها الناس بعد (في زعم المستشرقين).
والصحيح: أن الله قدَّر أن تكون بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- ومعه الشريعة العامة الشاملة الخاتمة في توقيت استقرت فيه المجتمعات البشرية بدرجةٍ كبيرةٍ، وأصبحت مهيأة لأن تتلقى ضوابط الشرعية للمعاملات في كل الأبواب.
فإذا اتفقنا أنه لا مجال هنا لبحث شيء كان موجودًا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنه حاجة طارئة نريد أن نبحث مدى صلاحيتها لأن تكون سببًا للاستثناء مِن أصل الحكم، فسوف تضيق الفجوة أو تتلاشى بيْن مَن يقول بعدم جواز القيمة مطلقًا ومَن يقول بجوازها للحاجة؛ ولذلك روي هذا وذاك عن الإمام أحمد، ومال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن التفصيل في المسألة أن الإمام أحمد يبيح إخراج القيمة عند الحاجة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى" (25/ 82): "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة، ونحو ذلك، فالمعروف مِن مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمِن أصحابه مَن أقر النص، ومنهم مَن جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجةٍ ولا مصلحةٍ راجحةٍ ممنوع منه... " إلى أن قال -رحمه الله-: "وأما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل؛ فلا بأس به، مثل: أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري ثمرًا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك... ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها" (انتهى) .
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "ويجوز أيضًا أن يخرج عن النقود عروضًا مِن الأقمشة والأطعمة وغيرها، إذا رأى المصلحة لأهل الزكاة في ذلك مع اعتبار القيمة، مثل أن يكون الفقير مجنونًا أو ضعيف العقل أو سفيهًا أو قاصرًا، فيخشى أن يتلاعب بالنقود، وتكون المصلحة له في إعطائه طعامًا أو لباسًا ينتفع به مِن زكاة النقود بقدر القيمة الواجبة، وهذا كله في أصح أقوال أهل العلم" (انتهى مِن "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز" (14/ 253) .
12- حكم إخراج الدقيق والخبز والمكرونة:
وهذه مسائل احتاج الجمهور القائلون بعدم جواز القيمة إلى بحثها، وحيث إن الجمهور راعوا في الزكاة أمرين سبق بيانهما مرارًا:
- التعبد بما شرعه الله.
- عدم انتقاص حق الفقير في الحق الذي قدَّره الله له، وبالتالي عدم جواز التصرف فيه مِن قِبَل المزكي.