شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في زكاة الفطر (إخراج القيمة - إخراج المكرونة)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وحيث إن تحويل صاع القمح الى دقيق أو خبز أو مكرونة يحقق مبدأ إخراج الطعام المطلوب -وهو صاع القمح-، ولكن مع إضافة عملٍ فيه مِن طحن أو خبز أو تصنيع، فبالتالي كانت جلّ مناقشات أهل العلم في هذه الأصناف على أثر العمل الزائد في صاع القمح: هل سلبه بعض منافعه أم أبقى على منافعه كاملة؟

- فبالنسبة للدقيق: منع منه البعض باعتبار أنه بطحنه قد فاتت بعض استخداماته التي تتطلب أن يكون حبًّا كما هو، وجوزه البعض مِن باب أن غالب استعمال القمح هو في صنع الدقيق فيكون اخراج دقيق يعادل الدقيق الناشئ من طحن صاع قمح نفع للفقير من كل وجه وأكثر منه لو أخرج صاع دقيق ابتداءً؛ لأنه سيزيد في المقدار شيئًا يسيرًا عن إخراج الدقيق المكافئ لصاع قمح.

والمتأمل في تعليل مَن رفض القول بجواز الدقيق يجزم أن هذه علة رفض من رفض الدقيق لا تكاد توجد في زماننا في معظم بلاد المسلمين حيث انحصر استعمال القمح كقوتٍ في طحنه ثم خبزه، وأما سائر استعمالاته فلا تدخل في معنى القوت، وبالتالي فالعمل -بفضل الله- جاري منذ سنوات على إخراج الدقيق في زكاة الفطر.

- أما الخبز فالعمل المضاف فيه إلى القمح أكثر وهو الطحن ثم الخبز؛ إلا أن مَن منع مِن الدقيق منع مِن الخبز مِن باب أولى، ولكن المانعين مِن الخبز أضافوا علة أخرى إلى المنع، وهي: أن الخبز قد فوت منفعة كبيرة مِن الدقيق، وهو إمكان حفظه لفترة طويلة، وهو أمر يجب أن ينظر إليه بعين الاعتبار.

- وأما "المكرونة" فقد تعرض الشيخ العثيمين -رحمه الله- مِن المعاصرين لحكمها، فقال في شرح الزاد:

"هل تجزئ المكرونة في زكاة الفطر؟

الجواب: مَن قال: إن الخبز يجزئ، فالمكرونة عند صاحب هذا الرأي تجزئ أيضًا. ومَن قال: لا يجزئ الخبز؛ لأن الخبز أثرت عليه النار، فإن المكرونة إذا أثرت عليها النار في تصنيعها فإنها لا تجزئ كذلك، ولو أن إلحاق المكرونة بالخبز مِن كل وجه فيه نظر؛ ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ ما دامت قوتًا للناس ليستْ كالخبز مِن كل وجه، وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن، والصحيح أن كل ما كان قوتًا مِن حبٍّ وثمر ولحم ونحوها؛ فهو مجزئ سواء عدم الخمسة، أو لم يعدمها؛ لحديث أبي سعيد: وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط" (انتهى) .

وبالفعل فالمكرونة ليست كالخبز مِن كل وجه، بل إذا استصحبنا إننا هنا حققنا وجود صاع القمح المنصوص عليه، وبقي النظر في درجة النفع، فيمكن أن يُقال: إن المكرونة أنفع مِن الخبز، بل أنفع مِن الدقيق، في زماننا في كونها جافة، ويمكن حفظها لنفس فترة حفظ القمح، وأنفع مِن القمح؛ لأنهم لا يكادون يستخدمونه وهو على هيئة حب كما هو؛ لا سيما في المدن.

وذلك ورغم اختيارنا -في السنوات السابقة- لعدم إدراج المكرونة ضمن جداول الزكاة؛ دفعًا لتوهم أنه يجوز إخراج الأطعمة المصنعة (مع أن القول بجواز إخراج المكرونة مبني كما تقدَّم على أنه قمح مصنع بصورة أو بأخرى) إلا أنه مع غلاء سعر الأرز الذي كان يناسب شريحة كبيرة مِن المسلمين في إخراج صدقات فطرهم، وبالتالي توجَّه الكثير منهم إلى إخراج القمح (لا سيما وأن دار الإفتاء المصرية تعلن عن الحد الأدنى للقيمة بناءً على قيمة القمح)؛ فقد رأينا أن ندرج المكرونة ضمن أصناف زكاة الفطر بناء على التعليل الفقهي السابق عرضه، ولعل هذا مما يرد على دعوى أن مَن يعملون بالسُّنة وبمذهب الجمهور في إخراج زكاة الفطر طعامًا يخرجون للناس أصنافًا لم تعد قوتًا لهم بحالٍ كالشعير، بل إن القمح الذي هو غالب قوت الناس في بلادنا لما أصبحت أدوات تجهيزه ليكون طعامًا غير متوافرة في البيوت؛ رأينا أن الفقه يقتضي تقديمه للفقير في صورةٍ جاهزة للطعام، وممكنة التخزين في آنٍ واحدٍ سواء كانت دقيق أو مكرونة.

تنبيه: المكرونة تصنع مِن دقيق خالص (يفضل غالبًا أن يكون مِن أنواعٍ، نسبة الرطوبة فيها قليلة، لا تتجاوز 13%)، ويعجن هذا الدقيق بإضافة الماء ويصبح عجينًا ثم يكبس ليأخذ الشكل المطلوب (لسان عصفور - عقل صغير - عقل كبيرة - إلخ)، ثم يجفف لتصل نسبة الرطوبة في المنتج النهائي إلى 10%؛ مما يعني أنه في مرحلة التجفيف يتم التخلص تمامًا مِن كل الماء الذي أضيف في مرحلة العجين والتخلص أيضًا مِن جزءٍ مِن الرطوبة الأصلية التي كانت موجودة في الدقيق، وقد يضاف محسنات لون لا تكاد نسبتها تذكر نهائيًّا.

وبناءً على هذا: فالذي يخرج مِن "المكرونة" كيل صاع مِن "المكرونة" التي يشبه حبها حبة الأرز (لسان العصفور)، أو ما يكافئ صاع الدقيق وزنًا.

13- تقدَّم أن مَن رجح مذهب الجمهور فلن يلتفت إلى الادعاء بوجود حاجة يبحث على أثرها بحث جواز القيمة؛ إلا إذا كانت حاجة جدت بعد زمن التشريع أو -على الأقل- زادت وعمت، وإلا فهذه الحاجات التي كانت موجودة في زمان التشريع ولم يرتب عليها الشرع هذا الحكم؛ فهي مِن باب المصالح الملغاة، علمًا بأن أكثر ما يدعيه الناس في ذلك هو قولهم بتنوع حاجات الفقير غير الطعام، وهي غير معتبرة مِن جهة الدليل؛ للسبب الذي تقدم.

وأما مِن جهة النظر فنقول:

إن مِن المتفق عليه أن الطعام هو آكد الحاجات البدنية للإنسان، وبالتالي فهذا الفقير الذي تدفع له زكاتك إن تصورنا أنه معدم فسيكون لهفته للطعام لا يدانيها شيء، وإن تصورنا أنه رقيق الحال، وقد دفعت له طعامًا قابل للادخار فأنت بهذه الطريقة توفر له فرصة أن يوجه المال القليل الذي معه إلى شراء الحاجيات الأخرى، ومع هذا فلو تصورنا أن بلدًا ما فيها فقراء وجدوا مَن يسد جوعهم، وهو في حاجة ماسة إلى ملبس يستر عورتهم ويقيهم مِن الحر والبرد، والزمان زمان زكاة فطر؛ فهذه مما يقال فيها بجواز إخراج زكاة الفطر قيمة للحاجة -كما سيأتي نظير ذلك في فتاوى الشيخ ابن باز في زكاة المال-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية