شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع المتحدث باسم الجبهات "القطبية" و"التكفيرية"

أحمد الشحات • المنهج السلفي

قضى الشاذلي في السجن عشر سنوات، وتم الإفراج عنه في عام 1975م، وبعد خروجه مِن السجن أنشأ مع آخرين جماعة التوقف والتبيُّن والتي سمَّاها: "دعوة أهل السُّنة والجماعة على طريق إحياء الأمة" لتكون امتدادًا للمدرسة القطبية وراعية لها.

جاء في تعريف هذه الدعوة على موقعها الرسمي ما يلي: "وقد واجهت دعوة أهل السُّنة والجماعة التضييق الشديد ثم السجن والملاحقة لأفرادها خصوصًا بعد مقتل السادات، وتم الزج بالشيخ الشاذلي وبغيره مِن الإسلاميين في السجن عام 1981م، ثم أخذت الدعوة وضعًا سريًّا لشدة بطش النظام المصري بأفرادها.

وعاش الشيخ "الشاذلي" في منزله بالإسكندرية بحالةٍ مراقبةٍ وتضييق دائم؛ لخطر فكره ودعوته على نظام الحكم بمصر، الذي لا يراه الشيخ نظامًا شرعيًّا، ويدعو في كتبه ومحاضراته إلى حشد الأمة لإسقاط هذه الأنظمة العلمانية، وفي عام 2011م اندلعت ثورة الغضب المصرية فأتيحت الفرصة لإعادة ترتيب أوضاع الدعوة وإعلانها مجددًا بعد أن خفيت لعقودٍ عن الناس".

وقد لازم عبد المجيد سيدَ قطب وتتلمذ على كتبه، وكان يعتبر مِن أخص تلامذته، بل يعده القطبيون هو المنظِّر الشرعي لفكر سيد قطب.

ومما يدل على ذلك ما شهد به أحد رموز هذا الفكر في مصر وهو الشيخ "رفاعي سرور"، حيث يقول في ترجمته للشاذلي: "يمثِّل الشيخ عبد المجيد اتجاهًا منهجيًّا أساسيًّا في واقع الفكر الإسلامي المعاصِر، باعتباره المؤصل الفقهي والشرعي لفكر سيد قطب، حتى تكوَّنت بجميع كتابات هذا الاتجاه وحدة موضوعية واحدة، توزعت على كل العقول التي تحاول الوصول للحق كل بما يناسبه، ليكون هذا التأصيل هو المواجهة الفكرية الواقعية على الزعم القائل بأن كتابات سيد قطب مجرد كتابات أدبية، حيث لم يفهم القائلون بذلك أن سيد قطب كان يخاطب الناس بما يناسبهم ويؤثر فيهم، لتكون مهمة التأصيل الضرورية موكولة لكتابات التأصيل التي تعتبر كتابات الشيخ عبد المجيد نموذجًا كاملًا لها فتكتمل كل الشروط الشرعية للاتجاه الفكري الصحيح للدعوة".

لاحظ هنا: أن الشيخ رفاعي يتحدث عن اتجاهٍ منهجي واحد، له رابطة موضوعية واحدة، وذات مصدر محدد حتى وإن اختلفت طرق وأساليب الكتابة، وهو بذلك يؤكد على الوحدة المنهجية للتيار القطبي الذي ينتسب هو إليه، والذي يعد الشاذلي أحد أهم منظريه.

قال: "والبُعد الأساسي للتعريف المنهجي بالشيخ عبد المجيد الشاذلي هو تجربة 65، حيث كانت تلك التجربة هي البداية التاريخية للتصحيح الفكري والمنهجي للدعوة، كما كانت سندًا نفسيًّا لمَن أتى بعدها حيث علم شباب الدعوة الجدد بعد اكتشاف تنظيم 65 أن هناك مَن استطاع الوقوف أمام عبد الناصر".

ويُعد كتاب "حد الإسلام وحقيقة الإيمان" أشهر كتب الشاذلي، وباكورة مؤلفاته، وبه اشتهر وعُرف، وقد شرع فيه منذ أن كان في السجن في عهد عبد الناصر، وأكمله بعد خروجه من السجن، وقد ذكر أنه استغرق في كتابته سبع سنوات، حيث وضع فيه خلاصة فكره، وحقيقة منهجه.

تكلم الشاذلي في الطبعة الثانية للكتاب عما سماه مفاتيح لفهم الكتاب، أوضح فيها قواعد لفهم ما طرحه، منها: الفرق بين حقيقة الإسلام وحكم الإسلام، كما ألحق بالباب ملحقًا مِن ثلاثة أجزاء، يتناول فيه نقولًا عن الفقهاء لبيان طرق إثبات حكم الإسلام كأمر مستقل عن بيان حقيقة الإسلام، وأن الأول أمر فقهي، وأما الحقيقة فهي أمر عقدي، وأوضح كذلك أمر "اللوث" وأنه مستعمل عند الفقهاء في عدة قضايا فقهية، وأن هذا ما قصده كحالات خاصة من حالات الكافر الأصلي لا كأمر عام.

يوضح "رفاعي سرور" الأهمية الفكرية لهذا الكتاب عندهم حتى إنه قرنه بالمعالم فقال: "وكان قد سبقها إلى الخروج -أي رسالة حد الإسلام- كتاب: "معالم في الطريق" للأستاذ سيد قطب، فكانت أوراق "المعالم" و"الحد" كقطرات اللبن للرضيع، حتى أصبح شباب الدعوة الجدد يرددون عبارات هذه الكتابات بثقة ويقين، يتعجب لها كل مَن يسمعهم وهم يرددونها، ويهمسون: مِن أين لهم هذا الكلام وهذا الفكر؟! ما هذا الاتجاه الذي يسعى بكل قوة للصدام مع كل النظم والسلطات الحاكمة؟! مَن هؤلاء الشباب؟! ما لهم لا يخافون؟! ولم يكن الناس يعلمون أنهم يقرأون: "معالم في الطريق" و"حد الإسلام"؛ ولذلك فهم لا يخافون".

ونحن بدورنا نتعجب كما تعجب الناس! نتعجب مِن هذه العقلية التي تفتخر بالصدام "مع كل النظم والسلطات الحاكمة"، وتقدم شباب التيار الإسلامي وقودًا لهذا الصراع الدموي، مستغلين حماستهم وعواطفهم الجياشة بدون حدود أو ضوابط.

وقد قدَّم عبد المجيد الشاذلي أطروحته الفكرية الشهيرة في قالب أصولي عبر كتابه: "حد الإسلام" الذي قسَّم فيه المجتمع إلى ثلاثة أقسام، ووضع حدًّا أدنى للإسلام لا يُعذر صاحبه فيه بالجهل، ولا تُقبل فيه دعوى الجهل، وهذا الحد هو (الحكم - الولاية - النسك).

وقد صار التقسيم الثلاثي للمجتمع: (مسلمين بلا شبهة - كفارًا بلا شبهة - طبقة متميعة)، هو الفكر المعتمد لدى التيار القطبي بوجه عام، اعتمادًا على تنظير الشاذلي في كتابه: "حدِّ الإسلام"، وتنظير محمد قطب في كتابيه: "واقعنا المعاصر"، و"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

القسم الأول: مسلمون بلا شبهة:

وهو الشخص الذي ينطق بالشهادتين وهو فاهم لمعناها عامل بمقتضاها، وقد حصر الشاذلي هذا الفهم في ثلاث قضايا رئيسة هي: (الحكم - الولاية - النسك)، وفي الواقع: فإن فهم تفاصيل هذه القضايا لا ينطبق على كثير مِن أفراد الجماعات الإسلامية؛ فضلًا عن عموم الناس! بل إن تفاصيل هذه القضايا لا يحسنها كثيرٌ مِن المنتمين لهذه التيارات نفسها.

ولو طبقوا هذه القاعدة على أنفسهم لكفر معظمهم! فضلًا عن أن دراسة مثل هذه القضايا بتفاصيلها يستلزم شيئًا من الوقت ربما يستغرق سنوات، فهل الشخص الذي انضم إليهم حديثًا وهو يجهل هذه القضايا يكون في حكم الكافر حتى يتقنها أم أنهم سيتعاملون معه باعتبار ما سيكون؟!

القسم الثاني: كفار بلا شبهة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية