وقفات مع المتحدث باسم الجبهات "القطبية" و"التكفيرية"
أحمد الشحات • المنهج السلفي
الكافر بلا شبهة عندهم هو الكافر الأصلي الذي لم ينطق الشهادتين، بالإضافة إلى مَن نطقها، ولكن عنده خلل في قضية مِن القضايا الثلاث المشهورة: (الحكم - الولاية - النسك)، فهذه القضايا الثلاث عندهم بمنزلة المعلوم من الدين بالضرورة، وهم لا يعذرون فيها بالجهل، وهذا مؤداه كما ذكرنا تكفير معظم المجتمع فعلًا، وهو قريب في النتيجة من جماعة "شكري مصطفى"؛ إلا أن "شكري" لم يتعب نفسه كثيرًا في تعقيدات أصولية، وحكم على المجتمع كله بالردة! أما "عبد المجيد الشاذلي" فكما نرى ضيَّق دائرة التكفير شيئًا قليلًا عن طريق "فلتر" يظنه علميًّا أو هكذا يبدو، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك.
القسم الثالث: طبقة متميعة لا يُحكم لها بإسلام ولا بكفر، بل يتوقف فيها:
وهو الشخص الذي لم يُتحقق مِن كونه مسلمًا بلا شبهة، وكذلك لم يُتبيَّن أنه كافر بلا شبهة، مع أنه قد ينطق بالشهادتين أمامهم، وقد يرونه يصلي أو يصوم أو يحج، ولكنهم يتوقفون في الحكم عليه حتى يظهر لهم أمره، وظهور أمره عن طريق اختبار في المسائل الثلاث: (الحكم - الولاية - النسك).
فإن اجتاز الاختبار صار مسلمًا بلا شبهة، ويتم التعامل معه كمسلم، وإن رسب في الاختبار؛ صار بذلك كافرًا بلا شبهة، وهو المتوقع مِن أغلب المجتمع.
وهذا القسم في الواقع هو التحسين الذي أدخله "عبد المجيد الشاذلي" على فكر "شكري مصطفى"، وهو تحسين صوري وشكلي فقط؛ لأنهم في الواقع يتعاملون مع أفراد القسم الثالث على أنهم في حكم الكفار حتى يتبين لهم أمرهم، ولكنهم لا يُظهرون هذا التكفير.
يقول الدكتور ياسر برهامي في معرض رده على الكتاب: "يهدف الكتاب إلى تأصيل بدعة تقسيم مَن ينطق كلمة التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وجعل ثبوت الإيمان باطنًا والإسلام ظاهرًا متوقفًا على معرفة ما يسميه حدًّا للإسلام وحقيقة الإيمان من معرفة (النسك - والولاية - والحكم)، ولا شك في وجوب إفراد الله بذلك، وأنها من التوحيد، ولكن البدعة في أنه لا يحكم بثبوت أصل الإيمان عند الله لمَن نطق بالشهادتين معتقدًا دين الإسلام حتى يستوفي ما جعله هو حدًّا للإسلام لا يثبت بدونه ظاهرًا.
والكتاب يدور حول هذه الفكرة وقد صرَّح بذلك في قوله: "يُحكم بالإسلام لمجرد التلفظ ما لم يقترن مع تلفظه ما يدل على بقائه على الشرك، أو مظاهرة المشركين، أو امتناعه عن قبول الحكم، ويفترض فيه ترك الشرك والتزام الشرائع. فإن اقترن مع التلفظ ما يدل دلالة قطعية على الشرك أو رفض الشرائع أو مظاهرة المشركين فلا عبرة بأقوالٍ كذبتها الأفعال، فلا يحكم بالإسلام مع هذه الحال، وإذا وجد لوث ظاهر يدخل شبهة على إرادته لمدلول الشهادتين أو كان في تلفظه ما يشكل فلا بد من التبين لموضع اللوث" اهـ.
أما ما ينقله عن موقف عبد المجيد الشاذلي مِن الفن والتمثيل والاختلاط والموسيقى سعيًا منه لنفي تهمة التكفير عنه، وإثباتًا لمرونة الرجل وسماحته؛ فهو مما يُضحك العقلاء!
وبعيدًا عن تصديق تلك الرواية أو تكذيبها، أو حتى تقييمها والحكم عليها، السؤال هنا ببساطة: أين نجد هذا الكلام في كتبه ومؤلفاته والرجل كان كثير التأليف والكتابة؟! أين نجد هذه الآراء في محاضراته ودروسه وموقعه الشخصي على الإنترنت به المئات مِن المواد الصوتية والمرئية؟! أين نجد ردوده على مَن أساء فهم كلامه مِن تلامذته -كما يعترف خالد- والرجل عاش طويلًا، وكتب عدة مؤلفات جديدة بعد الثورة لم يصوِّب ولم يرد ولم يخطئ؟!
لماذا لم يحاول تبسيط الكلام لبعض السلفيين الذين يعانون مِن ضعفٍ في علم الأصول، وعدم قدرة على فهم المسائل الأصولية حتى إنهم لا يعرفون الفرق بين المجمل والمفسّر؟! -هكذا يلمز خالد-، ولا أدري: ماذا يعني بالمفسر؟! ولعله يقصد المجمل والمفصل، المهم أنه كان مِن الأولى أن يراعي ضعف عقولنا، وقلة حيلتنا ويشرح لنا العقيدة بعباراتٍ سهلةٍ واضحةٍ كما جاءت على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة وسائر السلف.
ثم دعك مِن السلفيين "المتسعودين" الذين لا يُحسنون فهم مسائل الأصول -على حد تعبير خالد-، ماذا عن الشباب العادي الذي اعترف خالد أن طائفة منهم لم تفهم الكلام أصلًا حتى مِن تلامذته، وطائفة تورطت في أقوال غالية ومتشددة كما فهمت مِن كلام الشاذلي، ألا يستحق كل هذا التخبط الناشئ عن تفسير الكلام أن يبادر صاحب الكلام الأصلي، فيبين المبهم، ويفصِّل المجمل، ويفسِّر الغامض؟! أم أننا لا نستحق ذلك؟! أم أن هذا الغموض مطلوب ومقصود؟!
خامساً: ادعاؤه بأن مدرسة سيد قطب عقبة تاريخية في طريقنا، وأننا -الدعوة السلفية- نبغضه ونعاديه كما لم نبغض أحدًا قط!
في البداية أود أن أؤكِّد على أن موقفنا من سيد قطب أنه رجل له وعليه، ونحن نحب منه أشياء ونبغض منه أشياء، نحب منه غيرته على الدين، ودفاعه عن الشريعة أمام موجات التغريب والعلمنة، ونبغض منه عدم ضبطه لمسائل العقيدة واختلاط فهمه فيها، والتعبير عن ذلك بكلامٍ فاسدٍ أدَّى إلى ظهور المدارس التكفيرية المختلفة.
كما أن انتماءه إلى جماعة الإخوان شجَّعه على محاولة ممارسة العنف عمليًّا، فصار سيد قطب مسئولًا بدرجةٍ كبيرةٍ عن إنتاج جماعات التكفير والعنف والصدام، ونسأل الله له المغفرة والرحمة، أما أننا نبغضه كما لم نبغض أحدًا من قبل، فهذا كذب وتجني، لن يجد له خالد ما يعضده من كتابات أو محاضرات، بل على العكس سيجد الترحم عليه، وسؤال الله له المغفرة، فهل اطلع خالد على قلوبنا ليعرف أننا نبغضه كما لم نبغض أحدًا قط؟!