وقفات مع المتحدث باسم الجبهات "القطبية" و"التكفيرية"
أحمد الشحات • المنهج السلفي
سادسًا: حديثه عن الأستاذ حازم أبو إسماعيل: يزعم خالد أن موقفنا مِن الأستاذ حازم مبني فقط على جلوس الشاذلي بجواره في مؤتمره الانتخابي، والحقيقة ليستْ كذلك؛ لأن مشايخ الدعوة السلفية جلسوا مع الأستاذ حازم عدة جلسات مطولة ليتعرفوا مِن خلالها على فكره ومنهجه وبرنامجه الانتخابي، عندما كان أحد مرشحي الرئاسة المحتملين، كما أن الأحداث التي شارك الأستاذ حازم في صناعتها تدل على طريقته الصدامية وتهوره واندفاعه، ولا أدل على ذلك مِن أحداث العباسية، وحصار وزارة الدفاع التي دعا إليها وحرَّض الشباب على دخولها بينما هو لم يحضر! وكذلك المظاهرات الشهيرة في مسجد "القائد إبراهيم" بالإسكندرية التي ورَّط فيها الشباب مع قوات الأمن بينما هو لم يحضر أيضًا.
والجدير بالذكر: أن الأستاذ حازم لم يكن يُظهِر منهجه أو انتماءه الفكري، بل كان حريصًا على الظهور بمظهر الداعية السلفي غير المنتمي تنظيميًّا لكيانٍ محددٍ، بما يؤهله ليكون حاضنًا للشباب الملتزم عمومًا؛ إلا أنه بعد تبيُّن عدم صلاحيته القانونية للدخول في سباق الرئاسة أظهر بعضًا مما يعتقده في مسألة "لزوم استخدام القوة لإسقاط الأنظمة التي لا تحكم بالشريعة" -وهي أحد أهم سمات التيار القطبي- بدلًا مِن محاولة تقويمها وإصلاحها.
سابعًا: الموقف مِن الخطاب التكفيري للإخوان وحلفائهم: دافع الدكتور خالد عن حقيقة استبطان الإخوان لتكفير المجتمع دفاعًا أجوفًا، وقد مرَّ معنا طرفًا مما يؤكد على هذا المعنى، وليس فقط شهادة الخصوم، فهناك شواهد قوية على أن سيد قطب هو الامتداد الطبيعي لحسن البنا.
يقول كمال حبيب في حواره مع محمد قطب: "سألتُه: ولكن أين نضع فكر سيد قطب من تطور الحالة الفكرية للحركة الإسلامية؟
فقال: فكر سيد قطب هو الامتداد الحقيقي لفكر حسن البنا؛ فحسن البنا في رسالة التعاليم يقول: "ولا نكفر مسلمًا بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها"، وسيد قطب يتحدث عن قيد أو شرط "وعمل بمقتضاها".
ففي عام 1948م حدث وعي جديد عند حسن البنا تمثَّل في أن الحكام ليسوا مسلمين إذا لم يحكِّموا شريعة الله، وأتباعه الذين جاءوا مِن بعده؛ إما أنهم لم يدركوا هذا الوعي الجديد في خط تفكيره أو أهملوه عن قصد.
ولكن متى حدث التحول الفكري الحقيقي عند سيد قطب؟
التحول الفكري نشأ عند سيد بعد مذبحة 1954م، فعبد الناصر ذبح الإخوان في السجون، والجماهير كانت تصفق له، وتساءل: هل لو كانت هذه الجماهير تملك الوعي كانت ستصفق للطاغية؟! وتناقش سيد في هذا الأمر مع الشيخ محمد هواش، وانتهى الاثنان إلى أن هذه الجماهير لو كانت تعلم حقيقة لا إله إلا الله ما كانت صفقت للطاغية، مِن هنا يجب أن تبدأ الدعوة مِن كلمة التوحيد".
على نفس النسق يكتب "أحمد عبد المجيد" رأيه بخصوص هذه المسألة فيقول تحت عنوان: "موقف جديد": "قد يَعجب القارئ مِن هذا العنوان؛ إذ كيف تتغير الصورة الجميلة الرائعة، وماذا بعد أن تغيرت؟ إنها صورة جميلة حقًا، اعتدال وتوازن في منهج الدعوة في الداخل والخارج، وتعاون على الحركة والبناء مع المشورة والبذل والعطاء، فما الذي حدث بعد ذلك؟
لقد بذل الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله- مِن الجهد والعطاء في البناء والحركة، وإيقاظ الهمم ما يفوق الوصف والبيان، وقد شعر في آخر زمانه أن للدعوة خصومًا معاندين في الداخل، يتخذون مِن الإسلام ستارًا، وأن خطرهم لا يقل إن لم يزد عن الأعداء الآخرين؛ لأن هؤلاء يتسمون بأسماء المسلمين ويتترسون بالإسلام.
ومع خطرهم العظيم، ودورهم الذي يقومون به لحرب الإسلام والمسلمين: رأى -رحمه الله- أن يحدد صفاتهم، ويفضح أمرهم، حتى لا ينخدع فيهم أحد، وذلك مِن خلال صفات الحكومة الإسلامية، ولم يسعفه العمر حتى يبين وضوح هذا الخط، مما جعل الأتباع يسيرون بعدها على الخط الأول السابق لهذا الكلام، ولم يدركوا كنه كلامه في هذا المقام، ولا كلامه في اشتراط النطق بالشهادتين والعمل بمقتضاهما.
ولا كلام مَن جاء بعده أمثال الشهيد سيد الذي يتابع الخط ويصله، مع إبراز وإيضاح القضايا الأساسية التي تشغل رجالات الدعوة.
قال الإمام الشهيد حسن البنا تحت عنوان: "معركة المصحف - أين حكم الله؟": "... الإسلام دين، ودولة ما في ذلك شك. ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح: أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية، وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة، أي: إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم.
وإذا قصَّر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكمًا إسلاميًّا، وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية، وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد دولة إسلامية.
وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال، ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية مهما ادعت ذلك بلسانها، وإن مِن شرائط الحاكم المسلم أن يكون في نفسه متمسكًا بفرائض الإسلام، بعيدًا عن محارم الله غير مرتكب للكبائر، وهذا وحده لا يكفي في اعتباره حاكمًا مسلمًا حتى يكون شرائط دولته إياه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين، وتحديد موقف الدولة منهم بناءً على موقفهم هم مِن دعوة الإسلام".
خلاصة رأي أحمد عبد المجيد -وهو مِن قادة 65-: أن ثمة تغيير حدث في فكر البنا في آخر حياته، لم يدركه الكثيرون من أتباعه، ووعاه سيد قطب، فسار على نسقه وجدده، وبالتالي فالجيل الذي تربى على يد سيد قطب وخاض معه تجربة 65 يعتنق نفس الأفكار القطبية، ولديه نفس النظرة السلبية للمجتمع كما بيَّنا في أثناء الكلام عن الشاذلي وجماعته.
أما عن تسويغه للخطابات التكفيرية التي انطلقت مِن رموز الإخوان وحلفائهم على منصة رابعة، فهي مسوغات واهية، وتستعصي على مبادئ الفهم السليم؛ فهل سيسوغ: "قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟!"، أم "اللي يشك في عودة مرسي يبقى بيشك في قدرة ربنا؟!"، أم "وصف المعارضة بالنفاق والكفر؟!"، والقائمة طويلة والخطابات مسجلة، ومحاولة حملها على حسن الظن مستعصية لمَن لديه أدنى ذرة من عقل.