شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (22)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ومثالها الشهير ما كان في المدن الإغريقية خاصة أثينا، ويعتبرها (روسو) -وهو مِن أكبر أنصارها- الصورة الوحيدة للديمقراطية، إذ كان (روسو) يرفض النظام النيابي في إنجلترا، ويرى أن نواب الشعب بعد انتهاء الانتخابات لا يعدون ممثلين حقيقيين للشعب، فهم بعد انتهاء الانتخابات لا سلطان للشعب عليهم، فلا يتقيدون بمراعاة توجهات وآراء مَن اختاروهم.

وكيفية الديمقراطية المباشرة: أن يجتمع أفراد الشعب كلهم فيما يسمَّى: بـ(جمعية الشعب)؛ للنظر في التشريعات والأمور.

ويؤخذ على تطبيق هذه الصورة:

1- أن جمعية الشعب كان تقتصر تقريبًا على 10% مِن السكان، متمثلة في الذكور الأحرار فوق عمر العشرين مِن السكان لا الأجانب، مع تغيب البعض للانشغال بأعمالهم، فهي لا تمثِّل الغالبية.

2- عدم نضج كل هؤلاء الأفراد للنظر في أمور الحكم والسياسة.

3- وجود بعض الأمور التي تمس المصالح العليا للبلاد، تتطلب السرية في بحثها ومناقشتها، ولا يمكن عرضها على كل أفراد الشعب في اجتماعاته العلنية.

4- استحالة تطبيق ذلك في العصر الحديث؛ نظرًا لزيادة أعداد سكان الدول بحيث يستحيل -أو يصعب جدًّا- اجتماعهم جميعًا في مكانٍ واحدٍ -أو عدة أمكنة- عددًا معينًا مِن المرات للنظر في أمرٍ مِن الأمور المهمة كأمور الحرب والسلام والمعاهدات، أو وضع قوانين وتشريعات تطبق، أو مراقبة عمل الهيئات المسيرة للدولة.

قال د."علي الباز": "قد توصف حكومة أثينا والحكم فيها بما يطلق عليه الفقهاء الحكومة الاستبدادية أو الحكومة المطلقة أو حكومة القلة، ذلك أن القلة كانت هي التي تتحكم في الأغلبية، بل وتستبد بها وبحريتها... إلا أنه لا يمكن إطلاقًا أن نصف هذا النظام الأثيني بأنه ديمقراطية أو ديمقراطية مباشرة" (المصدر السابق، ص 37 بتصرفٍ يسيرٍ) .

والخلاصة أنه: "إذا كانت الديمقراطية المباشرة هي أكثر النظم كمالًا مِن الناحية النظرية، فإنها أشدها عسرًا مِن الناحية العملية" (المصدر السابق، ص 36) .

2- الديمقراطية غير المباشرة:

بدأ تطبيق هذه الصورة في إنجلترا، وتتمثل في اختيار -أو انتخاب- الشعب نوابًا -أو ممثلين- عنه لكي يكوِّنوا المجلس النيابي: (مجلس نواب أو مجلس شعب أو برلمان)، وهو الذي يتولى لمدة فترة زمنية محددة، أعمال التشريع والرقابة، فالشعب -مصدر السلطات- لا يتولى حكم نفسه بنفسه، بل بواسطة النواب الذين يختارهم.

علاقة النائب بمَن اختاره نائبًا عنه:

رغم الاختلاف حول تكييف العلاقة التي تربط بين الناخب والنائب الذي اختاره: هل هي وكالة إلزامية أم وكالة عامة أم مجرد اختيار؟ فإن الواقع العملي: أن النائب يمثِّل الأمة كلها وليس دائرته، والبرلمان في مجموعه وكيل عن الأمة، وهو لا يتقيد بالناخبين، وليس ملزمًا بتقديم حساب عن أعماله لهم، ويبقى أن للناخبين إعادة انتخاب نفس النائب في الانتخابات التالية أو لا؟ أي أن مهمة الناخبين تنتهي بمجرد اختيارهم للنواب، ويتمتع النواب بعد ذلك بالاستقلال التام عن الناخبين!

فمدار النظام النيابي: على أن أعضاء البرلمان غالبيتهم منتخبون بواسطة الشعب، مع إمكانية تعيين أعضاء في البرلمان بنسبة قليلة غير مؤثِّرة؛ لسد حاجة البرلمان من المتخصصين وأصحاب الخبرات ممن لم يتقدموا بالترشح لدخول البرلمان، وهذا البرلمان له سلطات حقيقية مؤثرة في ممارسة الدور التشريعي والسياسي والرقابي، فليس المجلس مجلسًا استشاريًّا لا تأثير فعال له، وقد استقر الأمر على أن عضو البرلمان يمثل الأمة كلها، فقد انقضى العهد الذي كان فيه النائب يمثِّل دائرته الانتخابية بالوكالة، أي مِن حق الناخبين إلزام النائب بتعليمات، أو مِن حقهم عزله متى شاءوا، فلا مجال حاليًا للقول بالوكالة الإلزامية، فالنائب بعد انتخابه أصبح ممثلًا للأمة بأسرها يراعي مصالحها كلها، والبرلمان يمارس مهامه بصورة مستقلة، وأعضاء البرلمان ليسوا ملزمين -من الناحية الدستورية والقانونية- بأن يعودوا للشعب للتعرف على إراداته ورغباته في كل ما يتقرر في البرلمان، وإن أوجبت عليهم الاعتبارات السياسية استمرار صلاتهم بالشعب للتعرف على اتجاهات الشعب الحقيقية تجاه القضايا الوطنية المختلفة. والبرلمان المنتخب له مدة زمنية محددة يتم بعدها إعادة انتخاب أعضاء البرلمان من جديد؛ مما يعطي الفرصة للشعب لتجديد أو لعدم التجديد لعضوية البرلمان إعمالًا لرقابة الشعب على مَن يمثله، ومنعًا لمظنة الاستبداد.

هل تضمن هذه الصورة تحقيق الديمقراطية؟

الواقع العملي يشير إلى:

1- أن نسب مشاركة الشعب في العملية الانتخابية نسب ليست كبيرة: فهي غالبًا تقل عن نصف عدد المسموح لهم بالانتخاب، والفائز فيها يحصل على نسبة منها لا كلها، أي أن نسبة الأصوات التي حصل عليها لا تمثل أغلبية مجموع أصوات الشعب، وهذا لا يتناسب مع زعم أن نتائج الانتخابات تدل على رأي الأغلبية وتعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.

2- إن هذه الانتخابات قد تفتقد ضمانات السلامة: لغياب الوعي السياسي، والإخلاص الوطني عند البعض، مما يجعل مِن اليسير على بعض المرشحين التأثير على عواطف الكثير مِن جماهير الناخبين

- ولسيطرة الشخصيات القيادية التي تتمتع بالحضور الجماهيري على العامة، وبالتالي: القدرة على توجيههم في اختيار مرشحين دون تفكير أو تمحيص.

- لافتقاد العملية الانتخابية للسلامة والنزاهة، خاصة في دول العالم الثالث، التي لا تخلو من تدخلات عديدة للتأثير على نتائج هذه الانتخابات، بدءًا مِن التلاعب في تحديد الدوائر الانتخابية وتوزيعها، إلى التلاعب في كشوفات الناخبين، إلى استخدام محترفي الانتخابات لأساليب ملتوية لكسب الأصوات ولو بالشراء بالمال.

- لافتقاد الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية من أولها إلى آخرها رسميًّا أو واقعيًّا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية