شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (28)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وفي سفر الأمثال الإصحاح (3) الفقرة 10 نطالع هذا النص: "مَن ذا الذي يستطيع أن يعثر على امرأة فاضلة، إن ثمنها يفوق ثمن اللآلئ والياقوت". وكانت نظرة القديسين حول المرأة القاعدة التي شكَّلت بعد ذلك الفكر الغربي؛ فقد حملوا المرأة خطيئة آدم، فأصبحت بابًا للشيطان، والمسئولة عن الانحلال الخلقي وتردي المجتمعات البشرية، فالمرأة عندهم ملعونة؛ لأنها مصدر الشرور، والمحرض الأساسي للجرائم.

يقول بولس رسول المسيح في معتقد النصارى: "لست أسمح للمرأة أن تعلم، ولا أن تسلط على الرجل، عليها أن تلزم السكوت، ذلك لأن آدم كون أولًا، ثم حواء، ولم يكن آدم هو الذي انخدع بمكر الشيطان، بل المرأة انخدعت، فوقعت في المعصية" (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس (2) الفقرات: 11 - 15) .

ومن خلال نظرة الكنيسة أصبحت النظرة الدونية للمرأة في الفكر الغربي في القرون الوسطى التي ألصقت بالمرأة الصفات السلبية التي تحط مِن قدرها، وتنتقص من قدراتها العقلية والفكرية سائغة دينيًّا (راجع فصل: الفكر النسوي وثنية جديدة، د. خالد قطب من كتاب: "الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية: المجتمع المصري أنموذجًا" - تحرير الهيثم زعفان. ط. كتاب البيان ط. أولى 1427 هجريا - 2006 م، ص 28 - 31) .

النظرة الأوروبية للمرأة في عصر النهضة:

رغم نبذ أوروبا للدين وتبنيها للفكر المادي العلماني، فلم تتغير نظرة الفلاسفة والمفكرين للمرأة كثيرًا، فهي يجب أن تكون خاضعة للرجل تابعة له، ليس لها مكانة متميزة كالرجل في مجتمعها:

فقد قامت فلسفة (ديكارت) -الذي يعد رائد العقلانية الغربية الحديثة، ومؤسس الفكر الغربي الحديث والذي له دوره الكبير في سيادة التصورات والمفاهيم التي شكل العقلية الغربية إزاء المرأة- على ثنائية: (العقل / المادة) التي ميزت فلسفته، لكنه ربطها بالجنس، حيث ربط العقل بالذكورة، والمادة بالأنوثة، فقد وضعت الفلسفة الديكارتية تمييزًا صارمًا بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني، مِن خلال التمييز بين العقل والجسد، هذا التمييز أدَّى إلى الاختلاف بين الرجل الذي يمثِّل في فلسفته العقل والتفكير العقلاني، والمرأة التي تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني (راجع الحركة النسوية، ص 32) .

بينما ذهب الفيلسوف الألماني الشهير (كانط) -رائد حركة التنوير الأوروبية- إلى أن المرأة بطبيعتها تابعة للرجل لافتقارها إلى القدرات العقلية التي تؤهلها لتقديم المفاهيم والتصورات الفلسفية والعلمية، فضلًا عن افتقارها للوصول إلى أحكام موضوعية، واستخدام العقل النقدي استخدامًا صحيحًا، مما يجعلها تعتمد في تفكيرها على العاطفة والانفعال، وهذا يعطي الحق للرجل في قهرها واستعبادها، لقد ساهم كانط في توطيد النظرة الذكورية للعقل، إن العقل عند كانط هو الأداة الوحيدة التي يتحقق من خلالها تقدم الإنسانية، ولكن هذا العقل الكانطي يتميز بأنه عقل يحمل كل صفات الذكورة، أي أن المرأة عنده لا تصلح لإنتاج فكر عقلاني تنويري موضوعي مثلها مثل الرجل (المصدر السابق، ص 33) .

أما (جان جاك روسو) واضع أسس ومبادئ الثورة الفرنسية، والتي رفعت شعارات (الحرية والمساواة والإخاء)، فكان ينظر إلى المرأة على أن لها طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الرجل، وهذه الطبيعة تتحدد في غرضين هما: "الغرض الجنسي، وغرض الإنجاب"، في حين أن طبيعة الرجل تتحدد في القدرة العقلية اللامحدودة. ومِن ثَمَّ كانت المرأة عنده ناقصة، وعاجزة عن التعلم والتفكير، ومِن ثَمَّ لا بد مِن خضوعها للرجل العقلاني مصدر الخير في هذا العالم، ولأن المرأة خلقت خصيصًا لإسعاد الرجل كان لا بد مِن إخضاعها لنظام تربوي صارم يجعلها تحقق هذه الغاية من وجودها، هذا النظام يقوم على الخضوع للرجل (المصدر السابق، ص 33 - 34) .

وهنا لا بد لنا مِن وقفة ننبِّه فيها على أمرين:

أولًا: إن الفلاسفة والمفكرين الكبار يتأثرون كثيرًا بما هو شائع وسائد في المجتمعات التي يعيشون فيها، بما فيها من أخطاء وتجاوزات، وهم أيضا يؤثرون في مجتمعاتهم كثيرًا بأفكارهم الجديدة، فالتأثير يكون متبادلًا، ولكن على درجات متفاوتة.

ثانيًا: إن المرأة في مصر الفرعونية كانت تتبوأ منزلة وتتمتع بمكانة في المجتمع أكبر بكثير مما كانت عليه المرأة تحت الحكم اليوناني القديم، كما أن المرأة في مصر الإسلامية تبوأت منزلة وتمتعت بمكانة في المجتمع أعلى بكثير مما كانت عليه المرأة في أوروبا في القرون الوسطى.

ظهور الحركة النسوية في أوروبا:

تغيرت بعض أوضاع المرأة في أوروبا بعد الثورة الصناعية في أوروبا، واختراع الآلة واكتشاف الكهرباء، والتعرف على مصادر جديدة للطاقة، وهي الأوضاع التي جعلت أوروبا في حاجة إلى الأيدي العاملة بما فيها النساء؛ مما أدَّى إلى رفع الكثير من القيود عن المرأة هناك، فكان خروج المرأة للعمل والتعلم، والمشاركة في الحياة الاجتماعية بصورة متزايدة، وسرعان ما حصلت المرأة في أوروبا على مزايا سياسية واجتماعية كانت محرومة منها، اعتبرتها مكاسب، ولكن بقيت أمور كثيرة بعيدة المنال عنها.

جاءت البدايات الأولى لمعالم الفكر النسوي في القرن التاسع عشر، في هيئة دعوات إلى التخلص مِن النظم القائمة في المجتمعات الغربية التي تقلل من شأن المرأة وتضطهدها، والمطالبة بتحرير من المرأة من أسرها.

وقد قوبلت تلك الدعوات بالرفض حيث عدها الحكام والملوك خروجًا عما عاشت عليه أوروبا من معتقدات دينية أرستها الكنيسة عن المرأة، وآراء فلاسفة ومفكرين عبر قرون طويلة كونت تلك النظرة ودعمتها.

وقد كان ذلك الأمر وراء تبني الفكر النسوي الغربي: اعتقاد أن الرسالات السماوية تمثِّل عائقًا في مواجهة أهداف الحركة النسوية؛ لأنها أساس الأفكار والمعتقدات التي شكلت نظام المجتمعات الغربية ونظريته للمرأة، لذا وجهت الحركة النسوية في أوروبا جهودها لتقويض المعتقدات التي وردت في نصوص الكتاب المقدس التي تمجد الرجل، وتقلل من شأن المرأة وتجعلها في مصاف الحيوانات.

الصفحة السابقة الصفحة التالية