الفساد (29) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (2-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومِن هنا تم إحلال مصطلح: (الجندر) -أي: النوع- محل مصطلح: (الجنس) في كافة وثائق الأمم المتحدة، ومِن ثَمَّ في الاتفاقيات الدولية، ومن بعدها الدساتير والقوانين المحلية لكل الدول، وبالتالي نجحت الحركة النسوية الراديكالية في إدخال الشواذ جنسيًّا في الخطاب العالمي الرسمي وغير الرسمي، مما أتاح الفرصة للسحاقيات واللوطيين أن ينضموا إلى تصنيفات التقسيم البشري السوي!
فظهور مفهوم الجندر يعطي وضعًا جديدًا للشواذ، بعد أن كان الشواذ في أوروبا في الماضي إما مختفين لا يستطيعون الإعلان عن أنفسهم، أو كان بعضهم يظهر بصورة امرأة إن كان رجلًا أو تظهر على صورة رجل إن كانت امرأة، أما الآن وبعد استخدام مصطلح: "الجندر" وتوظيفه؛ فقد أصبح مِن حق هؤلاء الشواذ في أوروبا الإعلان بسهولة عن حقيقتهم وبلا خجل! (المصدر السابق، ص 14-15 بتصرفٍ) .
سيطرة الحركة النسوية على الأمم المتحدة:
نجحت الحركة النسوية في الوصول إلى لجنة المرأة بالأمم المتحدة وتوجيهها لصياغة الاتفاقيات الدولية مِن خلال مقررات الحركة النسوية، ثم متابعة تنفيذها ومراقبة تطبيقها في دول العالم المختلفة، خاصة مِن خلال منظمات المجتمع المدني التي تتحرك داخل تلك الدول، من خلال وضع برتوكولات دولية ملزمة تعاقب حكومات الدول على مخالفتها حال توقيعها على هذه البروتوكولات.
الحركة النسوية ومنظمات المجتمع المدني:
لقد نجحت الحركة النسوية أيضًا مِن خلال إستراتيجيات ورؤى منهجية، في تحويل منظمات المجتمع المدني التي تتجاوب مع الفكر النسوي الغربي في دول العالم الثالث عامة "ودول العالم العربي والإسلامي خاصة" إلى ما يشبه جماعات للضغط على الحكومات تدفعها -من خلال أنشطة هذه المنظمات المتعددة وأدوارها في التأثير على المجتمع وتهيئته- لقبول ما تدعو إليه أجندات الحركة النسوية في أوروبا، مع استثمار كافة الآليات المتاحة لديها من مؤتمرات وندوات، وورش عمل ودورات تدريبية، وإجراء للمسوح والدراسات الميدانية التي تخدم بها -عن قصد أو غير قصد- أهدافًا دولية غير معلنة، كما سعت الحركة النسوية إلى صناعة نماذج فوقية تتحكم في الخطاب السياسي للدول، وتوجه الحياة السياسية داخل المجتمع نحو النسوية، وتضمن لها سن التشريعات اللازمة لإخراج فكرها من الحيز النظري إلى التطبيق العملي الإلزامي، وحتى تتمكن الحركة النسوية من حشد الجهود العالمية نحو التبشير بهذه النسوية كان لابد من توفير الدعم المالي اللازم؛ لذا انهالت الأموال من المؤسسات التمويلية الدولية على منظمات المجتمع المدني لتتحد الأهداف السياسية والأمنية للدول الغربية مع الطرح الانحلالي للحركات النسوية" (راجع المصدر السابق، ص 16) .
أجندة الحركة النسوية إجبارية:
وتشترط الاتفاقيات الدولية الموجَّهة مِن الحركة النسوية الغربية على الدول التي توقِّع عليها أن تتقبلها قبولًا كليًّا بلا تمييز، فليس لها أن تأخذ منها ما تراه إيجابيًّا وترفض منها ما تراه سلبيًّا، وهذه الاتفاقيات بالطبع تخلط السم بالعسل، بل قد تطرح ما تصبو إليه في صورة تجعل المطلع عليها يراها مناسبة له، فلا يجوز للدول الموقعة على تلك الاتفاقيات الاحتجاج بمخالفة أي نص من هذه الاتفاقيات مع نص ديني، ومعظم الدول بما فيها الدول العربية تدرك ذلك.
تحول الحركة النسوية إلى سلاح غربي أيديولوجي:
أصبحت الحركة النسوية في الغرب تمثِّل تيارًا قويًّا ساد الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث قامت -وتقوم- دور النشر بإصدار عشرات الكتب للترويج لأطروحاتها، وتأسست جمعيات اجتماعية وفكرية نشطة من أجلها، كما غزت وسائل الإعلام التي تلعب دورًا كبيرًا طاغيًا في تشكيل الرأي العام، بل امتدت تلك الأفكار إلى دوائر ذات نفوذ داخل العمل السياسي، ساهمت في تحويل هذه الأفكار من الناحية النظرية إلى واقع عملي من خلال استصدار القوانين والتمكين لها.
لقد تطورت النظرة للـ(فيمينيزم) لتجعل منها أيديولوجية فكرية تمثِّل واجهة اجتماعية جديدة لليبرالية العلمانية؛ لهذا سرت هذه الأيديولوجية من خلال مؤتمرات المرأة والسكان التي كرست من قبل الأمم المتحدة لقضايا المرأة والطفل، وتبلورت من خلال الصياغة التي وضعت لوثيقة مؤتمر القاهرة العالمي للسكان في سبتمبر 1994 م، ثم لوثيقة بكين للسكان في عام 1995 م، حيث تمثِّل هذه الصياغة منشورًا نسويًّا طرحت فيه عالميًّا دعاوي ومفاهيم الحركة النسوية (الفيمينيزم)؛ لتكون نمطًا مِن الأفكار والقيم والعادات والممارسات التي يراد تصديرها وفرضها وتعميمها في دول العالم بأسره.
إن الفيمينيزم تكرر ما حدث مِن أيديولوجيات غربية سابقة من اشتراكية وليبرالية وبرجماتية ظهرت في الغرب ثم طرحت عالميًّا باعتبارها مذاهب مثالية عالمية -وليست خاصة بالحضارة الغربية العلمانية المادية-؛ ولذا ينبغي تطبيقها على كل البشر رغم اختلاف معتقداتهم وأديانهم.
إن الحديث عن حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والرغبة في تحسين أو تصحيح أوضاع المرأة في التعليم والعمل هو حديث جزئي، بل حديث لا معنى له في ظل الفيمينيزم التي تطرح أفكارها بمعزلٍ عن أي إطار مرجعي يحدد ماهية تلك الحقوق وطابع هذه العدالة؛ إذ إن الفيمينيزم لا تعترف بأي إطار مرجعي في أي مجتمع، وترى أنها هي التي بسياقها الغربي تنشئ المرجع العام الجديد.
إن ما تطرحه (الفيمينيزم) ليس امتدادًا للحركات النسائية في العالم طوال القرن العشرين -المدافعة عن حق النساء في التصويت أو التملك أو التعلم أو العمل- كما يحاول البعض أن يوحي به جهلًا أو بسوء النية؛ إن الفيمينيزم في جوهرها أطروحة ترفض جذريًّا أن تدافع عن حقوق المرأة وفق الإطار القيمي (الذكوري أو الرجالي) أو (الأبوي) السائد -كما يصفونه-، وهي تسعى في أفكارها إلى طرح إطار مرجعي عام بديل هو الإطار النسوي (راجع مقال: "الحركة النسوية: إطار للفهم" د. محمد يحيى - مجلة البيان - العدد 83 - رجب 1415 هـ - ديسمبر 1994 م، ص 104) .