شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (34) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (2-4)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

ولما كان ليس من مهام القضاء إصدار أحكام سياسية، فقد جاءت النتائج على عكس ما تفترضه التعددية، لقد انصب اهتمام القضاء على مجرد الإجراءات الشكلية دون نظر إلى حجم الجماعة السياسية التي ترغب في إعلان وجودها الشرعي؛ مما أدَّى إلى اكتساب بعض الأحزاب شرعية الوجود دون أن تكون مؤهلة تمامًا لدخول معترك الحياة السياسية، وحجب جماعات أخرى عن الشرعية رغم أنها تعبِّر عن قوى سياسية عريضة في المجتمع، وتملك القدرة على العمل السياسي، ومِن ثَمَّ عجز النظام الحزبي القائم عن استيعاب كل الجماعات والقوى السياسية، وعن تمثيل كافة المصالح المتباينة في المجتمع" ((المنافسة الحزبية في مصر، 1976م - 1990م، ص 61 - 62 بتصرفٍ) .

هذا في الوقت الذي اشترط فيه القانون شروطًا عديدة تفضي إلى إفراغ الحزب من مضمونه، وتؤدي إلى تماثل الأحزاب في برامجها؛ بسبب ضيق المساحة التي تتمايز فيها أيديولوجيًّا.

ويضيف الكاتب صلاح سالم: "مما سبق يتضح غياب الشرط الأساسي في بنية المنافسة الحزبية في عدم حرية تكوين الأحزاب أو فرض قيود على دخول السوق السياسي، وعدم تعبير الأحزاب عن كل القوى السياسية وعن كل المصالح، ثم ضعف التمايز الأيديولوجي بين الأحزاب القائمة" (المصدر السابق، ص 62) . فلم يستوعب النظام بالتالي كل القوى والتيارات التي يموج بها المجتمع.

معاناة أحزاب المعارضة في مصر:

عانت أحزاب المعارضة خلال الفترة المذكورة من:

أ- الاغتراب: والمراد به الشعور بعدم جدوى العمل السياسي في مواجهة الحزب الحاكم، والاغتراب كان القاسم المشترك الأعظم بين كل أحزاب المعارضة، واتخذ شكل المعارضة المضادة للنظام بدرجاتٍ متفاوتةٍ بدءًا من الاحتجاج إلى الرفض الكلي، مارست أحزاب المعارضة ذلك "لكن بطريقة غير منتظمة وبشكل نسبي يختلف من حزب إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، وذلك بحسب علاقات المعارضة مع الحزب الحاكم ومع الحكومة، ووفقًا لظروف كل حزب على حدة، ويتمثل الاحتجاج بشكلٍ جليٍ وظاهر في مقاطعة الانتخابات المحلية وانتخابات مجلسي الشعب والشورى، وبشكل أقل في الدرجة، لكن لا يقل وضوحًا عن الأول في الانسحاب من بعض جلسات مجلس الشعب في مناقشة بعض القضايا.

وبلغت موجة الاحتجاج مداها في مقاطعة انتخابات 1990م التي شملت أكبر أحزاب المعارضة: الوفد والتحالف، وجاء في بيان المقاطعة ما يشير إلى قناعة بعدم جدوى المشاركة في مسرحية الانتخابات القادمة التي تهدف إلى إضفاء مسحة من الديمقراطية على كل ما يجري في مصر بصورة تخالف الحقيقة وتجانب الواقع (المصدر السابق، ص 63) .

ب- الإخفاق في التكتل: فقد أخفقت أحزاب المعارضة في الوقوف في مواجهة النظام الحاكم كما فشلت في توحيد قواها، وتقديم نفسها كبديل للنظام رغم وجود العوامل التي تحملها على هذا التماسك؛ لكونها جميعًا في خندق واحد تعاني من نفس المخاطر والصعوبات، ومن نفس الضغوط التي يمارسها الحزب الحاكم ضدها، ورغم وجود مساحة واسعة تشكل أساسًا للاتفاق بينها حول عددٍ مِن القضايا التي تتعلق بالحريات العامة وقواعد الديمقراطية (المصدر السابق، ص 65) .

"ويبدو أن أحزاب المعارضة يمكن أن تتوحد طالما لم يؤدِّ هذا التوحد إلى حرمان الحزب من فرصة الفوز بعددٍ مِن مقاعد مجلس الشعب ولو كان قليلًا، وعندما يصل الأمر إلى التضحية بمثل هذه الفرصة، فإن شق عصا الوحدة أيسر على الحزب من تفويتها" (المصدر السابق، ص 66) .

وساعدت على ذلك عوامل، منها:

- دور الحكومة بالترهيب والترغيب بالعصا والجزرة، بالتقرب إلى قطبي المعارضة -الوفد والتجمع- تارة، وبإصدار التشريعات لاحتواء أو تمزيق المعارضة كتجريم ومنع الترشح على قائمة حزب آخر.

- حرص حزب الوفد -بالتبادل مع حزب العمل-، وكذلك حزب التجمع على تقديم كل واحد منهما نفسه كبديل مستقل للنظام القائم.

- الخلافات العقائدية، بل والشخصية بين هذه الأحزاب، والتي كانت تحتل المساحة الأكبر في مجالات العلاقات بينها، المشروع الخاص لكل حزب.

- انعدام الثقة بين أحزاب المعارضة.

ولكن المعارضة كانت أحيانًا أقرب إلى التوحد داخل مجلس الشعب باعتباره أهم ميادين المواجهة مع الحكومة.

ج - المزايدة وعدم المصداقية: والمقصود بها: تقديم المعارضة في حملاتها وعودًا غير قابلة للتنفيذ أو يصعب تحقيقها عمليًّا، مما يفقدها الأمل في الحصول على الأغلبية.

ظاهرة الأغلبية الصامتة: هي ظاهرة امتناع عددٍ كبيرٍ مِن الناخبين في كل الانتخابات عن التصويت، وبنسبة كبيرة زادت عن 50 % من جملة المقيدين الجداول الانتخابية، ويمكن تفسير امتناع عددٍ كبيرٍ منهم جزئيًّا؛ بسبب رؤيتهم لعدم جدوى الانتخابات كوسيلة للتغيير، فنتائج الانتخابات معروفة مسبقًا "وبالتالي: فإن هذا الامتناع يعد نوعًا من المشاركة أو تعبير عن موقف احتجاجي، وأن قسمًا كبيرًا منهم من أنصار التغيير" (المصدر السابق، ص 81) .

المؤسسات السياسية في مصر:

وتشمل المؤسستين: الانتخابية والحكومية بتأثيريهما المباشر على سلوك الأحزاب حيث لا تملك أحزاب المعارضة القدرة على تحاشي أو تعديل أو تخفيف هذا التأثير، بينما لا يمكن فصل الحزب الحاكم تنظيميًّا وسلوكيًّا عن هاتين المؤسستين.

فالمؤسسة الانتخابية هي التي تحدد طبيعة العلاقة بين نسبة الأصوات التي يحصل عليها الحزب وعدد المقاعد التي يحصل عليها، حيث مارست المؤسسة الانتخابية في مصر درجة كبيرة من التحريف في هذه العلاقة من خلال تشريع القوانين الانتخابية، والتلاعب في تقسيم الدوائر، ومن خلال اختيار نظام الانتخاب الفردي أو القائمة أو التمثيل النسبي، ومن خلال اشتراط ضرورة حصول الحزب على 8 % من الأصوات الصحيحة على مستوى الجمهورية لدخول البرلمان، "لا سيما وأن أحزاب المعارضة ليس بمقدورها اجتياز هذه النسبة، وهي أعلى نسبة عرفتها النظم الانتخابية على مستوى العالم" (المصدر السابق، ص 95) ، بل وضم أصوات الأحزاب التي لم تحرز هذه النسبة إلى الحزب الذي حصل على أكبر قدرٍ مِن الأصوات.

الصفحة السابقة الصفحة التالية