الفساد (36) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
إن المشاركة السياسية تعني اشتراك قطاعات عريضة من الشعب في إدارة العملية السياسية مما يجعل القرارات السياسية تخرج معبرة بصدق عن رأي المواطنين، فمن المعروف أن المشاركة السياسية تتدرج فتبدأ من حق الفرد في التصويت وتمر بالمشاركة في المناقشات السياسية، وتقديم الشكاوي والاقتراحات، واكتساب عضوية التنظيمات الشعبية، والترشح للمناصب العامة، وتنتهي بالوجود الفعلي في بنية السلطة.
وتتطلب الممارسة السياسية البناءة في هذه الأنشطة اقتناعًا بضرورة وجدوى المشاركة بحيث ترقى إلى مرتبة الالتزام والواجب. وبالإضافة إلى الاقتناع بضرورة المشاركة، فيلزم أن تكون تلك المشاركة بوعي وإيجابية (المصدر السابق، ص 67 - 68) .
فنجاح العملية السياسية يتوقف على المشاركة السياسية، وهذه المشاركة هي الوسيلة إلى الاستقرار السياسي، وتؤدي إلى تدعيم السلطة السياسية القائمة، وتقوي الشعور بالانتماء وتلقائية الطاعة والإحساس بالمسئولية (المصدر السابق، ص 68 بتصرفٍ) .
"إن مبدأ المشاركة -إلى جانب حفاظه على الاستقرار- يشعر الناس بأنهم يتمتعون بتأثير ما على القرارات، ويوفِّر متنفس للتوترات العامة، ويعمل على التعرف على مصادر المعارضة بدلًا من دفعها للعمل الخفي وإثارة المتاعب؛ بسبب عدم السماح لها بالتعبير عن آرائها بصراحة، كذلك فإن الاختلاف في الرأي ومراعاة المصالح من أكبر دواعي التغيير، ويمكن لضغوط المعارضة الناجمة عن ذلك أن تدفع صانعي القرار إلى العمل المستمر والمستنير، وتمنعهم من الركون إلى الرضا عن النفس وعن مستوى الأداء، وتحول دون إصدار قرارات خاطئة، فربما نكره مَن يعارضنا، ولكننا نحتاج إليه وقد نأخذ برأيه.
وتنبع قيمة المشاركة أيضا في أنها:
1- تعطي فرصًا متساوية للمواطنين من كل الاتجاهات للمشاركة في عملية صنع القرار، ووضع السياسة العامة.
2- تقف في مواجهة الطغيان على الحقوق الفردية.
3- ترفع من المستوى الثقافي للمواطنين الذين قبِلوا أن يكونوا في موقع المسئولية (المصدر السابق، ص 70) .
4- ضرورة توفير المعلومات وإتاحة البيانات:
"يجب على الحكومة قبل اتخاذها القرارات المهمة أن تعرض على الشعب -أو أولي الأمر منه- الحقائق والمعلومات الكاملة عن طبيعة القضايا المراد اتخاذ القرارات فيها؛ وذلك حتى يقف الشعب على حقائق الأمور فلا يفاجأ بصدور القرارات المصيرية دون علمه ودون استعداده لتقبلها. إن سياسة عرض الحقائق كاملة على الرأي العام تسهم في تشكيل رأي عام واع وناضج، يسهم في صنع القرارات الرشيدة التي تمس الجماهير (المصدر السابق، ص 96) .
لقد "تحولت وسائل الإعلام بعد الثورة التكنولوجية ودخول مجال الأقمار الصناعية والحاسبات الإلكترونية إلى قوة سياسية تعادل أي قوة أخرى داخل النظام السياسي؛ لذلك ينبغي أن تستخدم السلطة وسائل الإعلام كمصدر لتقديم المعلومات، وكلما كانت المادة المقدمة من وسائل الإعلام مفهومة وسهلة القراءة ومثيرة لاهتمام صانع القرار، وخالية من التعقيدات اللفظية والعلمية، زادت فرصتها لتكون مصدرًا رئيسًا من مصادر معلومات صانع القرار"، "وقد كشفت الدراسات أن هناك ارتباطًا قويًّا بين درجة الثقة في مصداقية التغطية الإعلامية ودرجة التأثر بها". "ومن الجدير بالذكر هنا: أن دور وسائل الإعلام بالنسبة لدائرة صناعة القرار وبالنسبة للجمهور يتوقف على ديمقراطية النظام السياسي، كما أنها بقيامها بهذا الدور تدعم الديمقراطية وتوسع رقعتها في المجتمع" (المصدر السابق، ص 74- 75) .
ومما يقوي دور الإعلام: إذاعته ونشره ما يجري في جلسات البرلمان، فمِن فوائد ذلك:
1- الاطلاع على ما يثار من قضايا وطنية في البرلمان.
2- الاطلاع على أداء البرلمان والأحزاب والأعضاء المنتخبين.
3- زيادة الوعي السياسي.
وتنمية دور الإعلام في تنشيط الحياة السياسية يساهِم في تقوية الوعي السياسي، فينبغي "توفير قدر معقول من المعلومات الصادقة والحقيقية، حيث تتحدد ردود فعل الجماهير إزاء القرارات بقدر ما تتلقاه من وسائل الإعلام عنها، وهذا يؤثر بدوره على تنفيذ القرارات كما يؤثر على الثقة في الحكومة ذاتها" (المصدر السابق، ص 75) .
5- أهمية تقوية دور الأحزاب السياسية:
الأحزاب مؤسسات وسيطة تحمل رغبات الشعب إلى السلطة، وعن طريقها يستطيع المواطن التعبير عن رأيه والمشاركة في الحياة السياسية، وهذا يتوقف على مكانة الأحزاب وقربها من الجماهير، وما تتمتع به من احترام لدى السلطة، فعلى الدولة تقوية دور الأحزاب ومساعدتها في دخول البرلمان وزيادة تمثيلها ودورها النشط فيه.
و"على الأحزاب أن تتقدم نحو الشعب وتعده لتولي السلطة بنفسه عن طريق تثقيفه سياسيًّا وإعداد كوادره وتعبئة جماهيره، فالأحزاب السياسية تعد مدارس تلقن فيها مبادئ ممارسة السلطة، فهي التي تقدم للانتخابات المرشحين الصالحين لتولي الوظائف النيابية"، "وبشكل عام فكلما كان الحزب أكثر مركزية وأدق تنظيما وأكثر تماسكًا، أمكنه التأثير في الرأي العام" (المصدر السابق، ص 72) .
"إن أقوى ضمانة لسلامة القرار السياسي إنما تتمثل في يقظة المعارضة البرلمانية، وفي قوة مقاومتها لما تبديه الحكومة من انحراف في استعمال السلطة، أو اتخاذ قرارات فردية مخالفة للقانون، سواء كان الذي اتخذ هذه القرارات برلمانًا أو ملكًا أو رئيس جمهورية"، "إن النظام الحزبي يعد أحد الوسائل التي تؤدي إلى تقاسم السلطة وعدم تركزها في يد واحدة وبالتالي تقييدها في اتخاذ القرارات" (المصدر السابق، ص 87 - 88) .
لقد "تبيَّن من الممارسة الديمقراطية الفعلية بعد ثورة يناير: أن الأحزاب السياسية التقليدية ليس لها ظهير شعبي، وأكد ذلك حصولها في البرلمان الأول بعد الثورة على نسب متدنية، وكذلك الأحزاب الجديدة التي أسسها ناشطون سياسيون، والتي ظهر أنها في الواقع أحزاب كرتونية ليس لها تأييد شعبي (راجع "التحول في بينية المجتمع المدني بعد الثورات المصرية"، ص 237) .