الفساد (37) الإعلام من البناء إلى الهدم (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
"إن الحاجة تدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى وضع قواعد للسلوك المهني في مجالات المعلومات والإعلام"، "وينبغي بالتأكيد الاعتراف بالرقابة الذاتية لمنظمات الإعلام المهنية فيما يتعلق بهذه القواعد، غير أنه لا يمكن لرقابة كهذه أن تقوم مقام صيغة أوسع نطاقًا؛ إذ لا يجوز لأي فئة اجتماعية أن تتمتع بامتياز يعفيها من المسئولية تجاه المجتمع الذي تنتمي إليه"، فللصحافة مثلًا مهمة اجتماعية قوامها الإعلام والتعليم "والصحفيون ملزمون إلزامًا مطلقًا بالصراحة والاستقامة تجاه قرائهم، بالإضافة إلى التزامهم باحترام كرامة مهنتهم. فالهدف إذًا هو ضرورة إقامة جهاز فعال يحمي الصحفيين من أي طلب غير ملائم أو غير لائق من قبل أصحاب المؤسسات التي يعملون فيها، ومقابل ذلك ينبغي على الصحفي أن يراعي مبادئ قواعد السلوك المهني التي ينطوي عليها ما يسمى بالضمير المهني"، فوضع مبادئ قواعد السلوك المهني الإعلامي أمر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار.
إن تأكيد قواعد السلوك المهني الموضوعة لتوجيه الإعلام يترتب عليه "مسئولية الذين يسيطرون على المعلومات والذين ينبغي أن يتحملوا نتائج أي انتهاك لهذه المبادئ" (راجع المصدر السابق، ص 63 - 64) .
حق تصحيح الخطأ:
لا يحقق الإعلام وظيفته على وجهها الأكمل إلا بنقل المعلومات الصادقة بكل موضوعية ومطابقة للواقع، والإخلال بذلك بتقديم معلومات زائفة أو مغرضة أو مشوهة أو عرضها بمعايير واهتمامات خاصة يعد خيانة لرسالة الإعلام وأمانة الكلمة، وينبغي أن يكون للمتضرر الحق في تصحيح المعلومة الزائفة أو استيفاء المعلومات غير الكاملة التي نشرت أو أذيعت، بحيث تعطي الصورة الدقيقة عن الواقع وتضعها في سياقها الحقيقي، ويمتد هذا الحق ليشمل نشر تعليق إضافي يتمشى مضمونه مع الواقع.
خطورة الترويج للثقافة الاستهلاكية:
لا ينبغي لأجهزة الإعلام أن تكون محفزة للثقافة الاستهلاكية في المجتمع، ومتسببة في نبذ ما تنتجه البلاد من سلع ومنتجات وتعويضها بسلع ومنتجات أخرى أجنبية "فتضطر الدولة إلى استيراد ما لا يلزم استيراده، وتصنيع ما لا ضرورة لتصنيعه. وهذه الظاهرة متفشية لسوء الحظ داخل الكثير من البلدان العربية إذ قلت في الأسواق العربية بعض المواد الغذائية التي كانت في الماضي تكفي وتغني إلى حدٍّ ما عن استيراد منتجات أخرى. "وللإعلان والدعاية في ذلك تأثير كبير، وعلينا أن نعي دورهما؛ فنوظفهما لما فيه خير الأمة، ونضع لهما الحدود لكي لا تكون نتائجهما معاكسة لجهودنا" (المصدر السابق، ص 285- 286 بتصرف) .
الدور الاجتماعي للإعلام:
للإعلام وظيفة اجتماعية "دأبها إسهام المواطن في مشاغل مجتمعه ودفعه إلى المشاركة في الحياة العامة، وأكدت البحوث أن الذين يهتمون بالحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لمجتمعهم يشتركون بصورة أنشط في شئون المجموعة التي ينتسبون إليها، فإن الإعلام مطالب بإفهام المواطن الاختيارات الوطنية والقوانين التي تسنها الدولة وأساليب العمل الحديثة، مع انغماس الأعلام في أعماق المجتمع حتى لا يكون موجهًا للنخبة على حساب الجماهير، والديمقراطية تعني هنا إشراك ساكني كل المناطق الجغرافية ومختلف الفئات في المشاغل الوطنية، وهذا يدعو أجهزة الإعلام في بلادنا إلى إتاحة الحوار لمختلف فئات المجتمع"، "ونحن ندرك التفاوت الموجود كلما انتقلنا من مجتمع لآخر؛ إلا أن الواقع يدعونا لتقريب وجهات نظرنا في هذا المجال إذا أردنا أن نخطو خطوات حثيثة نحو الوحدة العربية التي ننشدها منذ أجيال بعيدة، فالعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا بإشاعة اللامركزية داخل الأقطار والإكثار من الإذاعات والصحف المحلية والوسائل الحديثة الأخرى، وبدفع الجماهير إلى المشاركة في برامجها وأركانها ومساعدة الفلاحين والعمال ومختلف المهن على توضيح وجهة نظرهم والتعبير عن مقاصدهم.
كما يتعين علينا المزيد من الاهتمام بمشاغل الشباب الذي يمثِّل أغلبية السكان، وعلى أجهزتنا الإعلامية أيضًا عدم إهمال من بلغ الشيخوخة وأصبح في حاجة إلى المزيد من الرعاية والانتباه فقد أكدت الدراسات أن الشيوخ والأطفال هم الأكثر إقبالًا على سماع ومشاهدة البرامج الإذاعية والتلفزيونية"، وينبغي "أيضًا مراعاة وضعية المرأة وتحسين صورتها في المجتمع، تلك الصورة التي شوهتها أجهزة الإعلام الغربية من خلال الإعلانات التجارية والأشرطة الاستفزازية الخليعة" (المصدر السابق، ص 286-287 بتصرف) .
الدور التربوي والثقافي للإعلام:
ينبغي تعزيز دور الإعلام "في مواكبة العمل التربوي، وإشراك رجال التعليم في إنتاج البرامج الإذاعية والتلفزيونية، والغاية الأساسية من ذلك هي استيعاب الطاقات الوطنية بأكملها لمقاومة الأمية والجهل، وتعميم العلم والمعرفة؛ إنه من المؤكد أن الطفل العربي يقضي أمام الشاشة الصغيرة قبل دخوله إلى المدرسة مئات الساعات، وقد يمثِّل ما يزيد عن سنة مدرسية وربما يضاهي سنتين، ثم إنه من الأساسي لأي مجتمعٍ وضع السياسات التربوية والسياسات الإعلامية في اتجاه واحد حتى لا تتضارب، وتذهب أحيانًا في اتجاه معاكس.
ونحن في العالم العربي نضع في كثيرٍ مِن الحالات خططًا تربوية ترمي إلى أحياء تراث أجدادنا وغرس قيمنا في أذهان أبنائنا وإعلاء مكانة لغتنا، ونسعى في الوقت نفسه إلى فتح أعين النشء الجديد على عالم الغد، وتزويده بما يسمح له باستيعاب العلوم الصحيحة وإدراكها على أحسن الوجوه" (المصدر السابق، ص 287 - 288 بتصرف) .
الانتباه لسيطرة الإعلام الغربي:
في مجال الإعلام يخرج الإنتاج أحيانًا عن إرادتنا، فتكون البرامج المعروضة ليست دومًا من مصدر وطني، فإن ما يقدَّم للجمهور وخاصة الأطفال الصغار غالبًا ما يتنافى مع الأسس التربوية التي تسير عليها المدرسة، فبقدر ما نسعى للتخلص من شوائب الاستعمار ومخلفاته في مجالات التربية، فإن الأمر يدعونا في كل قطر من الأقطار العربية إلى المزيد من التحكم في فحوى برامجنا الإعلامية والسيطرة على الاتجاه الذي تسير فيه.